تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٤٢٨ - الفصل الحادي عشر
الوجهة التي استخفى فيها، و كان يعلم منه اللين و الرضوح للحقّ أحيانا [١] لذلك لا يدعه وحده بحال من الأحوال، و كان يخشى أن يرجع الحقّ إلى عليّ (عليه السلام)، و لمّا علم أنّه مختل بعليّ خاف.
و في تلك الليلة رأى أبو بكر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في عالم الرؤيا فسلّم عليه و لكن النبيّ لم يرد جواب سلامه و أشاح بوجهه الشريف عنه، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، ما ذنبي حتّى أدرت وجهك عنّي؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أردّ السلام عليك و قد عاديت من والى اللّه و رسوله، ردّ الحقّ إلى أهله. قال: فقلت: من أهله؟ فقال: من عاتبك عليه، عليّ. فقال أبو بكر: قد رددته عليه يا رسول اللّه. و غاب رسول اللّه عن عينه.
فما أن أصبح الصباح حتّى وافى ابو بكر بيت الإمام و أخبره عن الرؤيا و قال: مدّ يدك لأبايعك، فمدّ الإمام يده فبايعه و سلّمه الخلافة و قال: يا أبا الحسن، سأذهب إلى المسجد و أحكي للأمّة عن قصّة الرؤيا و أكشف لهم وجه حجّتك، و أستقيلهم من الحكم و أسلّمه لك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لعلّك تفعل ذلك.
فلمّا خرج من عنده و إذا بعمر مقبل عليه، فقال: يا خليفة رسول اللّه مالك تغيّر لونك؟ فحكى له أبو بكر الرؤيا و ما شاور فيه أمير المؤمنين و ما اتفقا عليه، فقال له عمر: إنّك وقعت تحت تأثير سحر بني هاشم، و ما زال يوسوس له حتّى صرفه عمّا عاهد عليه الإمام (عليه السلام)، و ردّه إلى وضعه السابق اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [٢].
[١] أمّا هذه الصفات فأبو بكر منها براء، و هو صاحب الانفعالات و المزاج العصبي الشديد الذي لا يلين، و على أثر هذا المزاج الحادّ قامت حروب التأسيس أو ما يسمّى بالردّة، فقد وقف المسلمون بجانب يستنكرون الحرب، و وقف أبو بكر بالجانب الآخر يأمر بها حتّى غلبت إرادته و قامت الحرب فأين لينه؟؟ ليت شعري.
[٢] المجادلة: ١٩.