تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٠٣ - الباب الثامن في المناقب و الأخبار التي افتروها زخرفة لأباطيلهم
و لقد كشف الإمام عن هذه الحال ببيان معجب لطيف في بعض خطبه، فقال: ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت، فاتقوا سكرات النعمة، و احذروا بوائق النقمة، و ثبتوا في قتام العشوة و اعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها، و ظهور كمينها، و انتصار قطبها، و مداد رحاها، تبدو في مدارج خفية و تؤول إلى فضاعة جليّة، شبابها كشباب الغلام، و آثارها كآثار السلام، يتنافسون في دنيا دنيّة، و يتكالبون على جيفة مريحة، و عن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع، و القائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، و يتلاعنون عند اللقاء.
ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الحقيقة الرجوف، القاصمة الزحوف، فتزيغ قلوب بعد استقامة، و تضلّ رجال بعد سلامة، و تختلف الأهواء عند هجومها، و تلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف لها قصمته، و من سعى فيها حطمته، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة، قد اضطرب معقود الحبل، و عمي وجه الأمر، تفيض فيها الحكمة، و تنطق فيها الظلمة، و تدقّ أهل البدو تسجّلها، و ترضهم بكلكلها، يضيع في غبارها الوجدان، و يهلك في طريقها الركبان، ترد بمرّ القضاء، و تحلب عبيط الدماء، و تثلم منار الدين، و تنقض عقد اليقين، تهرب منها الأكياس، و تدبّرها الأرجاس، مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق، تقطع فيها الأرحام، و يفارق عليها الإسلام، بريّها سقيم، و ظاعنها مقيم [١].
و أوضح هذا كلّه بقوله: ألا و إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة فإنّها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطّتها، و خصّت بليّتها، و أصاب البلاء من أبصر فيها، و أخطأ البلاء من عمي عنها، و أيم اللّه لتجدنّ بني أميّة لكم أرباب سوء بعدي كالناب الضروس، تقدم بفيها و تخبط بيدها، و تزين برجلها و تمنع درّها، لا يزالون
[١] نهج البلاغة ٢: ٣٧ و ٣٨ باب الخطب.