أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٣٣ - الدليل من الإجماع
متواتر عنهم.
و قد ذكر الغزاليّ في كتابه «المستصفى» (١) كثيرا من مواضع اجتهادات الصحابة برأيهم، و لكن لم يستطع أن يثبت أنّها على نحو القياس، إلّا لأنّه لم ير وجها لتصحيحها إلّا بالقياس، و تعليل النصّ. و ليس هو منه إلّا من باب حسن الظنّ، لا أكثر. و أكثرها لا يصحّ تطبيقها على القياس.
و على كلّ حال، فالشأن كلّ الشأن في تحقّق إجماع الأمّة، و الصحابة على الأخذ بالقياس، و نحن نمنعه أشدّ المنع.
أمّا أوّلا: فلما قلناه قريبا: إنّه لم يثبت أنّ اجتهاداتهم كانت من نوع القياس، بل في بعضها ثبت عكس ذلك، كاجتهادات عمر بن الخطّاب المتقدّمة، و مثلها اجتهاد عثمان في حرق المصاحف، و نحو ذلك.
و أمّا ثانيا: فإنّ استعمال بعضهم للرأي- سواء كان مبنيّا على القياس أو على غيره- لا يكشف عن موافقة الجميع، كما قال ابن حزم- فأنصف-: «أين وجدتم هذا الإجماع؟ و قد علمتم أنّ الصحابة ألوف لا تحفظ الفتيا عنهم في أشخاص المسائل إلّا عن مائة و نيّف و ثلاثين نفسا: منهم: سبعة مكثرون، و ثلاثة عشر نفسا متوسّطون، و الباقون مقلّون جدّا، تروى عنهم المسألة و المسألتان، حاشا المسائل التي تيقّن إجماعهم عليها، كالصلوات، و صوم رمضان. (٢)، فأين الإجماع على القول بالرأي؟». (٣)
و الغرض الذي نرمي إليه أنّه لا ينكر ثبوت الاجتهاد بالرأي عند جملة من الصحابة كأبي بكر، و عمر، و عثمان، و زيد بن ثابت، بل ربما من غيرهم. و إنّما الذي ينكر أن يكون ذلك بمجرّده محقّقا لإجماع الأمّة، أو الصحابة. و اتّفاق الثلاثة أو العشرة بل العشرين ليس إجماعا مهما كانوا.
نعم، أقصى ما يقال في هذا الصدد: أنّ الباقين سكتوا، و سكوتهم إقرار، فيتحقّق الإجماع.
[١]. المستصفى ٢: ٢٩٣- ٢٩٩ و ٣٠٤- ٣٠٥.
[٢]. هذه ليست من المسائل الإجماعيّة، بل هذه من ضروريات الدين، و قد تقدّم أنّ الأخذ بها ليس أخذا بالإجماع.- منه (قدّس سرّه)-.
[٣]. ملخّص إبطال القياس: ١٩.