أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٥٦ - المبحث الأوّل النهي عن العبادة
على أنّ في هذه التعليلات من المناقشة ما لا يسعه هذا المختصر، و لا حاجة إلى مناقشتها بعد ما ذكرناه. هذا كلّه في النهي النفسيّ.
أمّا النهي الغيريّ المقدّميّ: فحكمه حكم النفسيّ بلا فرق، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم (١)؛ فإنّه أشرنا هناك إلى الوجه الذي ذكره بعض أعاظم مشايخنا (قدّس سرّهم) (٢) للفرق بينهما بأنّ النهي الغيريّ لا يكشف عن وجود مفسدة و حزازة في المنهيّ عنه، فيبقى المنهيّ عنه على ما كان عليه من المصلحة الذاتيّة بلا مزاحم لها من مفسدة للنهي، فيمكن التقرّب به بقصد تلك المصلحة الذاتيّة المفروضة، بخلاف النهي النفسيّ الكاشف عن المفسدة و الحزازة في المنهيّ عنه، المانعة من التقرّب به.
و قد ناقشناه هناك بأنّ التقرّب و الابتعاد ليسا يدوران مدار المصلحة و المفسدة الذاتيّتين حتّى يتمّ هذا الكلام، بل- كما ذكرناه هناك- أنّ الفعل المبعّد عن المولى في حال كونه مبعّدا لا يعقل أن يكون متقرّبا به إليه، كالتقرّب و الابتعاد المكانيّين، و النهي و إن كان غيريّا يوجب البعد و مبغوضيّة المنهيّ عنه و إن لم يشتمل على مفسدة نفسيّة.
و يبقى الكلام في النهي التنزيهيّ- أي الكراهة-، فالحقّ أيضا أنّه يقتضي الفساد، كالنهي التحريميّ، لنفس التعليل السابق من استحالة التقرّب بما هو مبعّد بلا فرق، غاية الأمر أنّ مرتبة البعد في التحريميّ أشدّ و أكثر منها في التنزيهيّ، كاختلاف مرتبة القرب في موافقة الأمر الوجوبيّ و الاستحبابيّ. و هذا الفرق لا يوجب تفاوتا في استحالة التقرّب بالمبعّد.
و لأجل هذا حمل الأصحاب الكراهة في العبادة على أقلّيّة الثواب مع ثبوت صحّتها شرعا لو أتى بها المكلّف، لا الكراهة الحكميّة الشرعيّة، و معنى حمل الكراهة على أقلّيّة الثواب أنّ النهي الوارد فيها يكون مسوقا لبيان هذا المعنى، و بداعي الإرشاد إلى أقلّيّة الثواب، و ليس مسوقا لبيان الحكم التكليفيّ المقابل للأحكام الأربعة الباقية بداعي الزجر عن الفعل و الردع عنه.
و عليه، فلو أحرز بدليل خاصّ أنّ النهي بداعي الزجر التنزيهيّ، و لم يحرز من
[١]. راجع الصفحة: ٣١١.
[٢]. و هو المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٢: ٤٥٦.