أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٩٦ - ٩ المقدّمة العباديّة
باعتبار دخالتها في زيادة حمازة الواجب (١)-، فإنّ ذلك التأويل مبنيّ على فرض ثبوت الأمر الغيريّ و أنّ عباديّة المقدّمة و استحقاق الثواب عليها لا ينشئان إلّا من جهة الأمر الغيريّ؛ اتّباعا للمشهور المعروف بين القوم.
فإن قلت: إنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به، فلا يعقل أن يكون الأمر بذي المقدّمة داعيا بنفسه إلى المقدّمة إلّا إذا قلنا بترشّح أمر آخر منه بالمقدّمة، فيكون هو الداعي، و ليس هذا الأمر الآخر المترشّح إلّا الأمر الغيريّ، فرجع الإشكال جذعا.
قلت: نعم، الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به، و لكنّا لا ندّعي أنّ الأمر بذي المقدّمة هو الذي يدعو إلى المقدّمة، بل نقول: إنّ العقل هو الدّاعي إلى فعل المقدّمة توصّلا إلى فعل الواجب (٢)، و سيأتي أنّ هذا الحكم العقليّ لا يستكشف منه ثبوت أمر غيريّ من المولى، و لا يلزم أن يكون هناك أمر بنفس المقدّمة لتصحيح عباديّتها، و يكون داعيا إليها (٣).
و الحاصل أنّ الدّاعي إلى فعل المقدّمة هو حكم العقل، و المصحّح لعباديّتها شيء آخر، هو قصد التقرّب بها، و يكفي في التقرّب بها إلى اللّه أن يأتي بها بقصد التوصّل إلى ما هو عبادة، لا أنّ الداعي إلى فعل المقدّمة هو نفس المصحّح لعباديّتها، و لا أنّ المصحّح لعباديّة العبادة منحصر في قصد الأمر المتعلّق بها، و قد سبق توضيح ذلك.
و عليه، فإن كانت المقدّمة ذات الفعل كالتطهير من الخبث، فالعقل لا يحكم إلّا بإتيانها على أيّ وجه وقعت، و لكن لو أتى بها المكلّف متقرّبا بها إلى اللّه توصّلا إلى العبادة صحّت و وقعت على صفة العباديّة، و استحقّ عليها الثواب. و إن كانت المقدّمة عملا عباديّا كالطهارة من الحدث، فالعقل يلزم بالإتيان بها كذلك، و المفروض أنّ المكلّف متمكّن من ذلك، سواء كان هناك أمر غيريّ أم لم يكن، و سواء كانت المقدّمة في نفسها مستحبّة أم لم تكن.
فلا إشكال من جميع الوجوه في عباديّة الطهارات.
[١]. راجع الصفحة: ٢٧٣.
[٢]. كما في نهاية الدراية ١: ٣٨٣.
[٣]. يأتي في الصفحة: ٢٩٩.