أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٧٧ - الباب الرابع الدليل العقليّ
مقصودهم في التزهيد (١) بالعقل، و هل تراهم يحكّمون غير عقولهم في التزهيد بالعقول؟
و يجلّي لنا عدم وضوح المقصود من الدليل العقليّ ما ذكره الشيخ المحدّث البحرانيّ في حدائقه، و هذا نصّ عبارته:
«المقام الثالث: في دليل العقل. و فسّره بعض بالبراءة الأصليّة، و الاستصحاب.
و آخرون قصروه على الثاني. و ثالث فسّره بلحن الخطاب، و فحوى الخطاب، و دليل الخطاب. و رابع بعد البراءة الأصليّة و الاستصحاب بالتلازم بين الحكمين، المندرج فيه مقدّمة الواجب، و استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ، و الدلالة الالتزاميّة» (٢).
ثمّ تكلّم عن كلّ منها في مطالب عدا التلازم بين الحكمين لم يتحدّث عنه. و لم يذكر من الأقوال حكم العقل في مسألة الحسن و القبح، بينما أنّ حكم العقل المقصود- الذي ينبغي أن يجعل دليلا- هو خصوص التلازم بين الحكمين، و حكم العقل في الحسن و القبح.
و ما نقله من الأقوال لم يكن دقيقا، كما سبق بيان بعضها.
و كيفما كان، فالذي يصلح أن يكون مرادا من الدليل العقليّ المقابل للكتاب و السنّة هو «كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعيّ». و بعبارة ثانية هو «كلّ قضيّة عقليّة يتوصّل بها إلى العلم القطعيّ بالحكم الشرعيّ». و قد صرّح بهذا المعنى جماعة من المحقّقين المتأخّرين. (٣)
و هذا أمر طبيعيّ؛ لأنّه إذا كان الدليل العقليّ مقابلا للكتاب و السنّة فلا بدّ ألّا يعتبر حجّة إلّا إذا كان موجبا للقطع الذي هو حجّة بذاته؛ فلذلك لا يصحّ أن يكون شاملا للظنون و ما لا يصلح للقطع بالحكم من المقدّمات العقليّة.
و لكن هذا التحديد بهذا المقدار لا يزال مجملا، و قد وقع خلط و خبط عظيمان في فهم هذا الأمر؛ و لأجل أن ترفع جميع الشكوك، و المغالطات، و الأوهام لا بدّ لنا من توضيح
[١]. التزهيد: ضدّ الترغيب.
[٢]. الحدائق الناضرة ١: ٤٠- ٤١.
[٣]. منهم: صاحب «دروس في علم الأصول» ٢: ٢٠٢.