أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٢٨ - ١ معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
قبيح» ... و هكذا. و كلّ ذلك؛ لأنّ النفس تتألّم أو تشمئزّ من ذلك.
فيرجع معنى الحسن و القبح- في الحقيقة- إلى معنى اللذّة و الألم، أو فقل: «إلى معنى الملاءمة للنفس و عدمها»، ما شئت فعبّر، فإنّ المقصود واحد.
ثمّ إنّ هذا المعنى من الحسن و القبح يتّسع إلى أكثر من ذلك؛ فإنّ الشيء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذّة أو ألما، و لكنّه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذّ به النفس أو تتألّم منه يسمّى أيضا: «حسنا» أو «قبيحا»، بل قد يكون الشيء في نفسه قبيحا تشمئزّ منه النفس، كشرب الدواء المرّ، و لكنّه باعتبار ما يعقبه من الصحّة و الراحة- التي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتيّ- يدخل فيما يستحسن، كما قد يكون الشيء بعكس ذلك حسنا تلتذّ به النفس، كالأكل اللذيذ المضرّ بالصحّة، و لكن باعتبار ما يعقبه- من مرض أعظم من اللذّة الوقتيّة- يدخل فيما يستقبح.
و الإنسان بتجاربه الطويلة و بقوّة تمييزه العقليّ يستطيع أن يصنّف الأشياء و الأفعال إلى ثلاثة أصناف: ما يستحسن، و ما يستقبح، و ما ليس له هاتان المزيّتان. و يعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة و المنافرة و لو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو (١) عند العقل على ما له من لذّة وقتيّة أو ألم وقتيّ، كمن يتحمّل المشاقّ الكثيرة و يقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم، أو الجاه، أو الصحّة، أو المال، و كمن يستنكر بعض اللذّات الجسديّة استكراها لشؤم عواقبها.
و كلّ ذلك يدخل في الحسن و القبح بمعنى الملائم و غير الملائم، قال القوشجيّ في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: «و قد يعبّر عنهما- أي الحسن و القبح- بالمصلحة و المفسدة فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، و القبيح ما فيه مفسدة، و ما خلا منهما لا يكون شيئا منهما» (٢).
و هذا راجع إلى ما ذكرناه، و ليس المقصود أنّ للحسن و القبح معنى آخر- بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة- غير معنى الملاءمة و المنافرة، فإنّ استحسان المصلحة إنّما يكون
[١]. أي ترتفع.
[٢]. شرح التجريد للقوشجيّ ٣٣٨. و هكذا قال أيضا السيّد الشريف في شرح المواقف ٨: ١٩٢.