أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٨٠ - ٧ حجّية العلم ذاتيّة
٧. حجّية العلم ذاتيّة
كرّرنا في البحث السابق القول بأنّ «حجّيّة العلم ذاتيّة»، و وعدنا ببيانها، و قد حلّ هنا الوفاء بالوعد؛ فنقول:
قد ظهر ممّا سبق معنى كون الشيء حجّيّته ذاتيّة؛ (١) فإنّ معناه أنّ حجّيّته منبعثة من نفس طبيعة ذاته، فليست مستفادة من الغير، و لا تحتاج إلى جعل من الشارع، و لا إلى صدور أمر منه باتّباعه، بل العقل هو الذي يكون حاكما بوجوب اتّباع ذلك الشيء؛ و ما هذا شأنه ليس هو إلّا العلم.
و لقد أحسن الشيخ العظيم الأنصاريّ (قدّس سرّه) مجلّي (٢) هذه الأبحاث في تعليل وجوب متابعة القطع (٣)، فإنّه بعد أن ذكر أنّه «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا» علّل ذلك بقوله: «لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع. و ليست طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا». (٤)
و هذا الكلام فيه شيء من الغموض (٥) بعد أن اختلفت تعبيرات الأصوليّين من بعده، فنقول لبيانه:
إنّ هنا شيئين أو تعبيرين:
أحدهما: وجوب متابعة القطع و الأخذ به.
ثانيهما: طريقيّة القطع للواقع.
فما المراد من كون القطع حجّة بذاته؟ هل المراد أنّ وجوب متابعته أمر ذاتيّ له،
[١]. و الأولى: معنى كون حجيّة الشيء ذاتيّة.
[٢]. المجلّي: موضح هذه الأبحاث.
[٣]. ممّا يجب التنبيه عليه أنّ المراد من العلم هنا هو «القطع»، أي الجزم الذي لا يحتمل الخلاف، و لا يعتبر فيه أن يكون مطابقا للواقع في نفسه، و إن كان في نظر القاطع ليس إلّا مطابقا للواقع، فالقطع- الذي هو حجّة تجب متابعته- أعمّ من اليقين و الجهل المركّب، يعني أنّ المبحوث عنه هو العلم من جهة أنّه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع- منه (قدّس سرّه)-.
[٤]. فرائد الأصول ١: ٤.
[٥]. و لعلّ الوجه في الغموض أنّه لا معنى لوجوب متابعة القطع إلّا كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع، كما سيأتي.