أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٣١ - الآية الأولى آية النبأ
قوله (تعالى): أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً ... مفعولا ل «تبيّنوا»، فيكون معناه: «فتثبّتوا، و احذروا إصابة قوم بجهالة».
و الظاهر أنّ قوله (تعالى): فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يكون كناية عن لازم معناه، و هو عدم حجّيّة خبر الفاسق؛ لأنّه لو كان حجّة لما دعا إلى الحذر من إصابة قوم بجهالة عند العمل به، ثمّ من الندم على العمل به.
٣. «الجهالة» اسم مأخوذ من الجهل، أو مصدر ثان له، قال عنها أهل اللغة: «الجهالة: أن تفعل فعلا بغير العلم» (١)، ثمّ هم فسّروا الجهل بأنّه المقابل للعلم، عبّروا عنه تارة بتقابل التضاد (٢)، و أخرى بتقابل النقيض (٣)، و إن كان الأصحّ في التعبير العلميّ أنّه من تقابل العدم و الملكة. (٤)
و الذي يبدو لي من تتبّع استعمال كلمة «الجهل» و مشتقّاتها في أصول اللغة العربيّة أنّ إعطاء لفظ «الجهل» معنى يقابل العلم- بهذا التحديد الضيّق لمعناه- جاء مصطلحا جديدا عند المسلمين في عهدهم؛ لنقل الفلسفة اليونانيّة إلى العربيّة الذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ، و كسبها إطارا (٥) يناسب الأفكار الفلسفيّة، و إلّا فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة، و التعقّل، و الرويّة (٦)، فهو يؤدّي تقريبا معنى السفه، أو الفعل السفهيّ عند ما يكون عن غضب- مثلا- و حماقة، و عدم بصيرة، و علم. (٧)
و على كلّ حال، هو بمعناه الواسع اللغويّ يلتقي مع معنى الجهل المقابل للعلم الذي صار مصطلحا علميّا بعد ذلك. و لكنّه ليس هو إيّاه. و عليه، فيكون معنى «الجهالة» أن تفعل فعلا بغير حكمة، و تعقّل، و رويّة الذي لازمه عادة إصابة عدم الواقع و الحقّ.
[١]. لسان العرب ١١: ١٢٩.
[٢]. كما في تاج العروس ٧: ٢٦٨، و المنجد في اللغة: ١٠٨، و قاموس اللغة: ٤٥٣.
[٣]. كما في لسان العرب ١١: ١٢٩، و معجم مقاييس اللغة ١: ٤٨٩.
[٤]. فالجهل هو عدم العلم عمّا من شأنه أن يعلم.
[٥]. و هو بالفارسيّة: «چارچوب». و الإطار: ما يحيط بالشيء.
[٦]. أي النظر و التفكّر.
[٧]. أي و عن عدم علم.