أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٣٥ - الحقّ في المسألة
و نقول: إنّ الصحيح أنّ متعلّق التكليف هو العنوان بما هو مرآة و فان في المعنون على أن يكون فناؤه في المعنون هو المصحّح لتعلّق التكليف به فقط؛ إذ إنّ الغرض إنّما يقوم بالمعنون المفنيّ فيه، لا أنّ الفناء يجعل التكليف ساريا إلى المعنون و متعلّقا به. و فرق كبير بين ما هو مصحّح لتعلّق التكليف بشيء، و بين ما هو بنفسه متعلّق التكليف. و عدم التفرقة بينهما هو الذي أوهم القائلين بأنّ التكليف يسري إلى المعنون باعتبار فناء العنوان فيه، و لا يزال هذا الخلط بين ما هو بالذات و ما هو بالعرض مثار كثير من الاشتباهات التي تقع في علمي الأصول و الفلسفة. و الفناء و الآليّة في الملاحظة هو الذي يوقع الاشتباه و الخلط، فيعطى ما للعنوان للمعنون و بالعكس.
و إذا عسر عليك تفهّم ما نرمي إليه فاعتبر ذلك في مثال الحرف حينما نحكم عليه بأنّه لا يخبر عنه؛ فإنّ عنوان الحرف و مفهومه اسم يخبر عنه، كيف و قد أخبر بأنّه لا يخبر عنه؟ و لكن إنّما صحّ الإخبار عنه بذلك فباعتبار فنائه في المعنون؛ لأنّه هو الذي له هذه الخاصيّة، و يقوم به الغرض من الحكم، و مع ذلك لا يجعل ذلك كون المعنون- و هو الحرف الحقيقيّ- موضوعا للحكم حقيقة أوّلا و بالذات؛ فإنّ الحرف الحقيقيّ يستحيل أن يكون موضوعا للحكم و طرفا للنسبة بأيّ حال من الأحوال و لو بتوسّط شيء، كيف و حقيقته النسبة و الربط، و خاصّته أنّه لا يخبر عنه؟. و عليه، فالمخبر عنه أوّلا و بالذات هو عنوان الحرف، لكن لا بما هو مفهوم موجود في الذهن؛ فإنّه بهذا الاعتبار يخبر عنه، بل بما هو فان في المعنون و حاك عنه، فالمصحّح للإخبار عنه بأنّه لا يخبر عنه هو فناؤه في معنونه، فيكون الحرف الحقيقيّ المعنون مخبرا عنه ثانيا و بالعرض، و إن كان الغرض من الحكم إنّما يقوم بالمفنيّ فيه، و هو الحرف الحقيقيّ.
و على هذا يتّضح جليّا كيف أنّ دعوى سراية الحكم أوّلا و بالذات من العنوان إلى المعنون منشؤها الغفلة [عن التفرقة] بين ما هو المصحّح للحكم على موضوع باعتبار قيام الغرض بذلك المصحّح، فيجعل الموضوع عنوانا حاكيا عنه، و بين ما هو الموضوع للحكم القائم به الغرض، فالمصحّح للحكم شيء و المحكوم عليه و المجعول موضوعا شيء آخر.
و من العجيب أن يصدر مثل هذه الغفلة من بعض أهل الفنّ في المعقول.