أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٧٧ - ٦ المناط في إثبات حجّيّة الأمارة
و اعتبره حجّة عليها، و ارتضاه أمارة يرجع إليها، و جوّز لنا الأخذ بذلك السبب المحقّق للظنّ، فإنّ هذا الظنّ يخرج عن مقتضى تلك القاعدة الأوّليّة؛ إذ لا يكون خرصا، و تخمينا، و لا افتراء.
و خروجه من القاعدة يكون تخصيصا بالنسبة إلى آية النهي عن اتّباع الظنّ، و يكون تخصّصا بالنسبة إلى آية الافتراء؛ لأنّه يكون حينئذ من قسم ما أذن اللّه (تعالى) به، و ما أذن به ليس افتراء.
و في الحقيقة أنّ الأخذ بالظنّ المعتبر- الذي ثبت على سبيل القطع أنّه حجّة- لا يكون أخذا بالظنّ بما هو ظنّ، و إن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظنّا، بل يكون أخذا بالقطع و اليقين، ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب المحقّق للظنّ، و سيأتي أنّ القطع حجّة بذاته، لا يحتاج إلى جعل من أحد. (١)
و من هنا يظهر الجواب عمّا شنع (٢) به جماعة من الأخباريّين على الأصوليّين من أخذهم ببعض الأمارات الظنّيّة الخاصّة، كخبر الواحد و نحوه، إذ شنعوا عليهم بأنّهم أخذوا بالظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئا.
و قد فاتهم أنّ الأصوليّين إذ أخذوا بالظنون الخاصّة لم يأخذوا بها من جهة أنّها ظنون فقط، بل أخذوا بها من جهة أنّها معلومة الاعتبار على سبيل القطع بحجيّتها، فكان أخذهم بها في الحقيقة أخذا بالقطع و اليقين، لا بالظنّ و الخرص و التخمين؛ و لأجل هذا سمّيت الأمارات المعتبرة ب «الطرق العلميّة»؛ نسبة إلى العلم القائم على اعتبارها و حجّيّتها؛ لأنّ حجّيّتها ثابتة بالعلم.
إلى هنا يتّضح ما أردنا أن نرمي إليه، و هو أنّ المناط في إثبات حجّيّة الأمارات، و مرجع اعتبارها، و قوامها ما هو؟ إنّه العلم القائم على اعتبارها و حجّيّتها، فإذا لم يحصل العلم بحجّيّتها و اليقين بإذن الشارع بالتعويل عليها و الأخذ بها لا يجوز الأخذ بها و إن أفادت ظنّا غالبا؛ لأنّ الأخذ بها يكون حينئذ خرصا و افتراء على اللّه (تعالى)؛ و لأجل
[١]. يأتي في المبحث السابع: ٣٨٠.
[٢]. أي استقبح و فضح.