أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٩٢ - ٩ المقدّمة العباديّة
الغيريّ»، بل عباديّته لا بدّ أن تكون مفروضة التحقّق قبل فرض تعلّق الأمر الغيريّ به.
و من هنا يصحّ استحقاق الثواب عليه؛ لأنّه عبادة في نفسه. (١)
و لكن ينشأ من هذا البيان إشكال آخر، و هو أنّه إذا كانت عباديّة الطهارات غير ناشئة من الأمر الغيريّ، فما هو الأمر المصحّح لعباديّتها، و المعروف أنّه لا يصحّ فرض العبادة عبادة إلّا بتعلّق أمر بها ليمكن قصد امتثاله؛ لأنّ قصد امتثال الأمر هو المقوّم لعباديّة العبادة عندهم، و ليس لها في الواقع إلّا الأمر الغيريّ، فرجع الأمر بالأخير إلى الغيريّ لتصحيح عباديّتها (٢)؟
على أنّه يستحيل أن يكون الأمر الغيريّ هو المصحّح لعباديّتها؛ لتوقّف عباديّتها- حينئذ- على سبق الأمر الغيريّ، و المفروض أنّ الأمر الغيريّ متأخّر عن فرض عباديّتها؛ لأنّه إنّما تعلّق بها بما هي عبادة، فيلزم تقدّم المتأخّر و تأخّر المتقدّم، و هو خلف محال أو دور على ما قيل (٣).
و قد أجيب عن هذه الشبهة بوجوه كثيرة (٤).
و أحسنها فيما أرى- بناء على ثبوت الأمر الغيريّ، أي وجوب مقدّمة الواجب، و بناء على أنّ عباديّة العبادة لا تكون إلّا بقصد الأمر المتعلّق بها- هو أنّ المصحّح لعباديّة الطهارات هو الأمر النفسيّ الاستحبابيّ لها في حدّ ذاتها السابق على تعلّق الأمر الغيريّ بها. و هذا الاستحباب باق حتّى بعد فرض الأمر الغيريّ، و لكن لا بحدّ الاستحباب الذي هو جواز الترك؛ إذ المفروض أنّه قد وجب فعلها، فلا يجوز تركها، و ليس الاستحباب إلّا مرتبة ضعيفة بالنسبة إلى الوجوب، فلو طرأ عليه الوجوب لا ينعدم، بل يشتدّ وجوده؛ فيكون الوجوب استمرارا له كاشتداد السواد و البياض من مرتبة ضعيفة إلى مرتبة أقوى، و هو وجود واحد مستمرّ. و إذا كان الأمر كذلك فالأمر الغيريّ حينئذ يدعو إلى ما هو
[١]. هذا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في الكفاية: ١٣٩- ١٤٠.
[٢]. هذا الإشكال أورده المحقّق النائينيّ على المحقّق الخراسانيّ. راجع أجود التقريرات ١: ٢٥٥.
[٣]. و القائل الشيخ الأنصاريّ في كتاب «الطهارة»: ٨٧ السطر ٢٨- ٣٦.
[٤]. راجع أجود التقريرات ١: ٢٥٥؛ بدائع الأفكار (العراقي) ١: ٣٨١؛ نهاية الدراية ١: ٣٨٠.