أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٨١ - ٢ ظهور الصيغة في الوجوب
٢. ظهور الصيغة في الوجوب
اختلف الأصوليون في ظهور صيغة الأمر في الوجوب و في كيفيّته على أقوال.
و الخلاف يشمل صيغة «افعل» و ما شابهها و ما بمعناها من صيغ الأمر.
و الأقوال في المسألة كثيرة (١)، و أهمّها قولان: أحدهما: أنّها ظاهرة في الوجوب، إمّا لكونها موضوعة له (٢)، أو من جهة انصراف الطلب إلى أكمل الأفراد (٣). ثانيهما: أنّها حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب و الندب، و هو- أي القدر المشترك- مطلق الطلب الشامل لهما من دون أن تكون ظاهرة في أحدهما (٤).
و الحقّ أنّها ظاهرة في الوجوب، و لكن لا من جهة كونها موضوعة للوجوب، و لا من جهة كونها موضوعة لمطلق الطلب، و أنّ الوجوب أظهر أفراده.
و شأنها في ظهورها في الوجوب شأن مادّة الأمر على ما تقدّم هناك، من أنّ الوجوب يستفاد من حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى و وجوب الانبعاث عن بعثه؛ قضاء لحقّ المولويّة و العبوديّة، ما لم يرخّص نفس المولى بالترك، و يأذن به. و بدون الترخيص فالأمر- لو خلّي و طبعه- شأنه أن يكون من مصاديق حكم العقل بوجوب الطاعة.
فيكون الظهور هذا ليس من نحو الظهورات اللفظيّة، و لا الدلالة هذه على الوجوب من نوع الدلالات الكلاميّة؛ إذ صيغة الأمر- كمادّة الأمر- لا تستعمل في مفهوم الوجوب لا استعمالا حقيقيّا و لا مجازيّا؛ لأنّ الوجوب كالندب أمر خارج عن حقيقة مدلولها و لا من كيفيّاته و أحواله. و تمتاز الصيغة عن مادّة كلمة الأمر أنّ الصيغة لا تدلّ إلّا على النسبة الطلبيّة كما تقدّم، فهي بطريق أولى لا تصلح للدلالة على الوجوب الذي هو مفهوم
[١]. ذكر بعضها صاحب المعالم في معالم الدين: ٤٨- ٤٩، فراجع.
[٢]. ذهب إليه صاحب القوانين و نسبه إلى المشهور، كما ذهب إليه صاحب المعالم و نسبه إلى الجمهور. و ذهب إليه أيضا المحقّق الخراسانيّ. فراجع قوانين الأصول ١: ٨٣؛ معالم الدين: ٤٨؛ كفاية الأصول: ٩٢.
[٣]. ذهب إليه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة: ٦٤. و اختاره المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١:
١٦٢ و ١٧٨- ١٨٠، و بدائع الأفكار ١: ٢١٤.
[٤]. ذهب إليه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ١: ٥١.