أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣١٢ - ثمرة المسألة
لا يستكشف منه حكم الشرع- كما اخترناه في المسألة- فإنّ هذا النهي العقليّ لا يقتضي تبعيدا عن المولى إلّا إذا كشف عن مفسدة مبغوضة للمولى. و هذا شيء آخر لا يقتضيه حكم العقل في نفسه.
الثاني: أنّ صحّة العبادة و التقرّب لا يتوقّف على وجود الأمر الفعليّ بها، بل يكفي في التقرّب بها إحراز محبوبيّتها الذاتيّة للمولى، و إن لم يكن هناك أمر فعليّ بها لمانع.
أمّا إذا قلنا بأنّ عباديّة العبادة لا تتحقّق إلّا إذا كانت مأمورا بها بأمر فعليّ فلا تظهر هذه الثمرة أبدا؛ لأنّه قد تقدّم أنّ الضدّ العباديّ- سواء كان مندوبا أو واجبا أقلّ أهمّية أو موسّعا أو مخيّرا- لا يكون مأمورا به فعلا (١)، لمكان المزاحمة بين الأمرين، و مع عدم الأمر به لا يقع عبادة صحيحة و إن قلنا بعدم النهي عن الضدّ (٢).
و الحقّ هو الأوّل- أي إنّ عباديّة العبادة لا تتوقّف على تعلّق الأمر بها فعلا، بل إذا أحرز أنّها محبوبة في نفسها للمولى، مرغوبة لديه؛ فإنّه يصحّ التقرّب بها إليه و إن لم يأمر بها فعلا لمانع- (٣)، لأنّه- كما أشرنا إلى ذلك في مقدّمة الواجب (٤)- يكفي في عباديّة الفعل ارتباطه بالمولى، و الإتيان به متقرّبا به إليه مع ما يمنع من التعبّد به من كون فعله تشريعا، أو كونه منهيّا عنه، و لا تتوقّف عباديّته على قصد امتثال الأمر، كما مال إليه (٥) صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (٦).
هذا، و قد يقال في المقام- نقلا عن المحقّق الثاني (تغمّده اللّه برحمته) (٧)-: إنّ هذه الثمرة تظهر حتى مع القول بتوقّف العبادة على تعلّق الأمر بها، و لكن ذلك في خصوص التزاحم بين الواجبين: الموسّع، و المضيّق و نحوهما، دون التزاحم بين الأهمّ و المهمّ المضيّقين.
[١]. تقدّم في الصفحة: ٣١٠.
[٢]. أي و إن قلنا بأنّ الأمر لا يقتضي النهي عن الضدّ.
[٣]. كما ذهب إليه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١: ٣٨٣ و ٣٨٥.
[٤]. راجع الصفحة: ٢٩٥.
[٥]. أي إلى اعتبار قصد امتثال الأمر في عباديّة الفعل.
[٦]. جواهر الكلام ٢: ٨٨ و ٩: ١٥٥- ١٥٦، ١٦١.
[٧]. جامع المقاصد ٥: ١٢- ١٤.