أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٣٥ - الآية الثانية آية النفر
أوجب عليهم أن تنفر طائفة من كلّ قوم، و يستفاد الوجوب من «لو لا» التحضيضيّة، و من الغاية من النفر- و هي التفقّه لإنذار القوم الباقين لأجل أن يحذروا من العقاب-؛ مضافا إلى أنّ أصل التعلّم واجب عقليّ، كما قرّرنا.
كلّ ذلك شواهد ظاهرة على وجوب تفقّه جماعة من كلّ قوم؛ لأجل تعليم قومهم الحلال و الحرام. و يكون ذلك- طبعا- وجوبا كفائيّا.
و إذا استفدنا وجوب تفقّه كلّ طائفة من كلّ قوم، أو تشريع ذلك بالترخيص فيه على الأقلّ لغرض إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم، فلا بدّ أن نستفيد من ذلك أنّ نقلهم للأحكام قد جعله اللّه (تعالى) حجّة على الآخرين، و إلّا لكان تشريع هذا النفر على نحو الوجوب، أو الترخيص لغوا بلا فائدة بعد أن نفى وجوب النفر على الجميع. بل لو لم يكن نقل الأحكام حجّة، لما بقيت طريقة لتعلّم الأحكام تكون معذّرة للمكلّف، و حجّة له، أو عليه.
و الحاصل أنّ رفع وجوب النفر على الجميع و الاكتفاء بنفر قسم منهم ليتفقّهوا في الدين و يعلّموا الآخرين هو بمجموعه دليل واضح على حجّيّة نقل الأحكام في الجملة، و إن لم يستلزم العلم اليقينيّ؛ لأنّ الآية- من ناحية اشتراط الإنذار بما يوجب العلم- مطلقة، فكذلك تكون مطلقة من ناحية قبول الإنذار و التعليم، و إلّا كان هذا التدبير الذي شرّعه اللّه (تعالى) لغوا، و بلا فائدة، و غير محصّل للغرض الذي من أجله كان النفر و تشريعه.
هكذا ينبغي أن تفهم الآية الكريمة في الاستدلال على المطلوب، و بهذا البيان يندفع كثير ممّا أورد على الاستدلال بها للمطلوب.
و ينبغي ألّا يخفى عليكم أنّه لا يتوقّف الاستدلال بها على أن يكون نفر الطائفة من كلّ قوم واجبا، بل يكفي ثبوت أنّ هذه الطريقة مشرّعة من قبل اللّه (تعالى)، و إن كان بنحو الترخيص بها؛ لأنّ نفس تشريعها يستلزم تشريع حجّيّة نقل الأحكام من المتفقّه. فلذلك لا تبقى حاجة إلى التطويل في استفادة الوجوب.
كما أنّ الاستدلال بها لا يتوقّف على كون الحذر عند إنذار النافرين المتفقّهين واجبا، و استفادة ذلك من «لعلّ» أو من أصل حسن الحذر، بل الأمر بالعكس؛ فإنّ نفس جعل حجّيّة قول النافرين المتفقّهين المستفاد من الآية يكون دليلا على وجوب الحذر.