أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٣٤ - الآية الثانية آية النفر
عمليّا من جهات كثيرة، (١)؛ فضلا عمّا فيه من مشقّة عظيمة لا توصف، بل هو مستحيل عادة.
إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ اللّه (تعالى) أراد بهذه الفقرة- و اللّه العالم- أن يرفع عنهم هذه الكلفة و المشقّة برفع وجوب النفر؛ رحمة بالمؤمنين. و لكن هذا التخفيف ليس معناه أن يستلزم رفع أصل وجوب التفقّه، بل الضرورات تقدّر بقدرها. و لا شكّ أنّ التخفيف يحصل برفع الوجوب على كلّ واحد واحد، فلا بدّ من علاج لهذا الأمر اللازم تحقّقه على كلّ حال- و هو التعلّم- بتشريع طريقة أخرى للتعلّم غير طريقة التعلّم اليقينيّ من نفس لسان الرسول.
و قد بيّنت بقيّة الآية هذا العلاج و هذه الطريقة، و هو قوله (تعالى): فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... و التفريع بالفاء شاهد على أنّ هذا علاج متفرّع على نفي وجوب النفر على الجميع.
و من هذا البيان يظهر أنّ هذه الفقرة (صدر الآية) لها الدخل الكبير في فهم الباقي من الآية الذي هو موضع الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد. و قد أغفل هذه الناحية المستدلّون بهذه الآية على المطلوب، فلم يوجّهوا الارتباط بين صدر الآية و بقيّتها للاستدلال بها، على نحو ما يأتي.
٢- الكلام عن نفس موقع الاستدلال من الآية على حجّيّة خبر الواحد المتفرّع هذا الموقع على صدرها؛ لمكان فاء التفريع، فإنّه (تعالى)- بعد أن بيّن عدم وجوب النفر على كلّ واحد، تخفيفا عليهم- حرّضهم (٢) على اتّباع طريقة أخرى بدلالة «لو لا» التي هي للتحضيض، و الطريقة هي أن ينفر قسم من كلّ قوم ليرجعوا إلى قومهم فيبلّغوهم الأحكام بعد أن يتفقّهوا في الدين، و يتعلّموا الأحكام، و هو في الواقع خير علاج لتحصيل التعليم، بل الأمر منحصر فيه.
فالآية الكريمة بمجموعها تقرّر أمرا عقليّا، و هو وجوب المعرفة و التعلّم، و إذ تعذّرت المعرفة اليقينيّة بنفر كلّ واحد إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ليتفقّه في الدين فلم يجب، رخّص اللّه (تعالى) لهم لتحصيل تلك الغاية- أعني التعلّم- بأن تنفر طائفة من كلّ فرقة. و الطائفة المتفقّهة هي التي تتولّى حينئذ تعليم الباقين من قومهم، بل إنّه لم يكن قد رخّصهم فقط بذلك، و إنّما
[١]. كبعد المسافة و كثرة الأحكام و غيرهما.
[٢]. أي: بعثهم، بالفارسيّة: «آنها را تحريك كرد و برانگيخت».