أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٣٣ - الآية الثانية آية النفر
فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١).
إنّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على المطلوب يتمّ بمرحلتين من البيان:
١- الكلام في صدر الآية: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً؛ تمهيدا للاستدلال؛ فإنّ الظاهر من هذه الفقرة نفي وجوب النفر على المؤمنين كافّة (٢)، و المراد من النفر- بقرينة باقي الآية- النفر إلى الرسول للتفقّه في الدين، لا النفر إلى الجهاد، و إن كانت الآيات التي قبلها واردة في الجهاد؛ فإنّ ذلك وحده غير كاف ليكون قرينة مع ظهور باقي الآية في النفر إلى التعلّم و التفقّه، فإنّ الكلام الواحد يفسّر بعضه بعضا.
و هذه الفقرة إمّا جملة خبريّة يراد بها إنشاء نفي الوجوب فتكون في الحقيقة جملة إنشائيّة، و إمّا جملة خبريّة يراد بها الإخبار جدّا عن عدم وقوعه (٣) من الجميع؛ إمّا لاستحالته عادة، أو لتعذّره اللازم له عدم وجوب النفر عليهم جميعا، فتكون دالّة بالدلالة الالتزاميّة على عدم جعل مثل هذا الوجوب من الشارع. و على كلا الحالين فهي تدلّ على عدم تشريع وجوب النفر على كلّ واحد واحد، إمّا إنشاء، أو إخبارا.
و لكن ليس من شأن الشارع بما هو شارع أن ينفي وجوب شيء، إنشاء أو إخبارا، إلّا إذا كان في مقام رفع توهّم الوجوب لذلك الشيء أو اعتقاده. و اعتقاد وجوب النفر أمر متوقّع لدى العقلاء؛ لأنّ التعلّم واجب عقليّ على كلّ أحد، و تحصيل اليقين فيه المنحصر عادة في مشافهة الرسول أيضا واجب عقليّ. فحقّ أن يعتقد المؤمنون بوجوب النفر إلى الرسول شرعا لتحصيل المعرفة بالأحكام.
و من جهة أخرى، فإنّه ممّا لا شبهة فيه أنّ نفر جميع المؤمنين في جميع أقطار الإسلام إلى الرسول لأخذ الأحكام منه بلا واسطة- كلّما عنت حاجة و عرضت لهم مسألة- أمر (٤) ليس
[١]. التوبة (٩) الآية: ١٢٢.
[٢]. يستفيد بعضهم من الآية، النهي عن نفر الكافّة. و هي استفادة بعيدة جدّا، و ليست كلمة «ما» من أدوات النهي، إذن ليس لهذه الآية أكثر من الدلالة على نفي الوجوب- منه (قدّس سرّه)-.
[٣]. أي عدم وقوع النفر.
[٤]. قوله: «أمر» خبر «أنّ» أي: أنّ نفر جميع المؤمنين في جميع الأقطار إلى الرسول أمر ليس عمليّا.