أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٩٩ - ١٣ الأمارة طريق أو سبب؟
و على التقديرين و الاحتمالين؛ فإنّ الشارع في إذنه باتّباع الأمارة- طريقا إلى الوصول إلى الواقع من أحكامه- لا بدّ أن يفرض فيه أنّه قد تسامح في التكاليف الواقعيّة عند خطأ الأمارة- أي إنّ الأمارة تكون معذّرة للمكلّف، فلا يستحقّ العقاب في مخالفة الحكم، كما لا يستحقّ ذلك عند المخالفة في خطأ القطع-، لا أنّه بقيام الأمارة يحدث حكم آخر ثانويّ، بل شأنها في هذه الجهة شأن القطع، بلا فرق.
و لذا، إنّ الشارع- في الموارد التي يريد فيها المحافظة على تحصيل الواقع على كلّ حال- أمر باتّباع الاحتياط، و لم يكتف بالظنون فيها، و ذلك كموارد الدماء، و الفروج.
١٣. الأمارة طريق أو سبب؟
قد أشرنا في البحث السابق إلى مذهبي السببيّة و الطريقيّة في الأمارة، و قد عقدنا هذا البحث لبيان هذا الخلاف؛ فإنّ ذلك من الأمور التي وقعت أخيرا موضع البحث، و الردّ و البدل عند الأصوليّين، فاختلفوا في أنّ الأمارة هل هي حجّة مجعولة على نحو الطريقيّة، أو أنّها حجّة مجعولة على نحو السببيّة، أي إنّها طريق أو سبب؟
و المقصود من كونها «طريقا» أنّها مجعولة لتكون موصلة فقط إلى الواقع للكشف عنه؛ فإن أصابته فإنّه يكون منجّزا بها و هي منجّزة له، و إن أخطأته فإنّها حينئذ تكون صرف معذّرة للمكلّف في مخالفة الواقع.
و المقصود من كونها «سببا» أنّها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤدّاها تقاوم تفويت مصلحة الأحكام الواقعيّة على تقدير الخطأ، فينشئ الشارع حكما ظاهريّا على طبق ما أدّت إليه الأمارة.
و الحقّ أنها مأخوذة على نحو «الطريقيّة». (١)
و السرّ في ذلك واضح بعد ما تقدّم؛ فإنّ القول بالسببيّة- كما قلنا- مترتّب على القول بالطريقيّة، يعني أنّ منشأ قول من قال بالسببيّة هو العجز عن تصحيح جعل الطرق على
[١]. و هذا ما ذهب إليه كثير من المتأخّرين، منهم: المحقّق الخراسانيّ في الكفاية: ٤٩٩، و المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣: ١٠٨، و المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ (القسم الأوّل): ١١١.