أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٨٣ - الثاني ظهور الأمر بعد الحظر أو توهّمه
الثاني: ظهور الأمر بعد الحظر أو توهّمه.
قد يقع إنشاء الأمر بعد تقدّم الحظر- أي المنع- أو عند توهّم الحظر، كما لو منع الطبيب المريض عن شرب الماء، ثمّ قال له: «اشرب الماء». أو قال ذلك عند ما يتوهّم المريض أنّه ممنوع منه و محظور عليه شربه.
و قد اختلف الأصوليون في مثل هذا الأمر أنّه هل هو ظاهر في الوجوب (١)، أو ظاهر في الإباحة (٢)، أو الترخيص فقط (٣)- أي رفع المنع فقط من دون التعرّض لثبوت حكم آخر من إباحة أو غيرها-، أو يرجع إلى ما كان عليه سابقا قبل المنع (٤)؟ على أقوال كثيرة.
و أصحّ الأقوال هو الثالث، و هو دلالتها على الترخيص فقط.
و الوجه في ذلك أنّك قد عرفت أنّ دلالة الأمر على الوجوب إنّما تنشأ من حكم العقل بلزوم الانبعاث ما لم يثبت الإذن بالترك. و منه تستطيع أن تتفطّن أنّه لا دلالة للأمر في المقام على الوجوب؛ لأنّه ليس فيه دلالة على البعث و إنّما هو ترخيص في الفعل لا أكثر.
و أوضح من هذا أن نقول: إنّ مثل هذا الأمر هو إنشاء بداعي الترخيص في الفعل و الإذن به، فهو لا يكون إلّا ترخيصا و إذنا بالحمل الشائع. و لا يكون بعثا إلّا إذا كان الإنشاء بداعي البعث. و وقوعه بعد الحظر أو توهّمه قرينة على عدم كونه بداعي البعث، فلا يكون دالّا
[١]. ذهب إليه بعض العامّة، كالحنفيّة، و المعتزلة، و القاضي الباقلانيّ و الفخر الرازيّ من الشافعيّة، و اختاره البيضاويّ في منهاج الأصول. فراجع فواتح الرحموت (المطبوع بذيل المستصفى ١: ٣٧٩)، و نهاية السئول ٢: ٢٧٢، و الإحكام (للآمديّ) ٢: ٢٦٠.
[٢]. لم أعثر على من قال بظهوره في الإباحة الاصطلاحيّة. و أمّا المنسوب إلى أكثر الفقهاء من القول بظهوره في الإباحة فالظاهر أنّه الإباحة بمعنى رفع الحجر و الحظر. كما صرّح بذلك الآمديّ في الإحكام ٢: ٢٦٠، و المحقّق القميّ في قوانين الأصول ١: ٨٩، و بعض المحشّين على العدّة ١: ١٨٣.
[٣]. و هذا منسوب إلى أكثر الفقهاء. راجع العدّة ١: ١٨٣، فواتح الرحموت (المطبوع بذيل المستصفى ١:
٣٧٩)، الإحكام (للآمديّ) ٢: ٢٦٠. و ذهب إليه المحقّق القميّ في قوانين الأصول ١: ٨٩.
[٤]. ذهب إليه السيد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ١: ٧٣. و اختاره الشيخ الطوسيّ في العدّة ١:
١٨٣.