أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٧٠ - ٦ لا يجوز العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص
٦. لا يجوز العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص
لا شكّ في أنّ بعض عمومات القرآن الكريم و السنّة الشريفة ورد لها مخصّصات منفصلة شرحت المقصود من تلك العمومات. و هذا معلوم من طريقة صاحب الشريعة، و الائمّة الأطهار (عليهم السّلام) حتّى قيل: «ما من عامّ إلّا و قد خصّ» (١). و لذا ورد عن ائمّتنا ذمّ من استبدّوا برأيهم في الأحكام، لأنّ في الكتاب المجيد و السنّة عامّا و خاصّا و مطلقا و مقيّدا، و هذه الأمور لا تعرف إلّا من طريق آل البيت (عليهم السّلام).
و هذا ما أوجب التوقّف في التسرّع بالأخذ بعموم العامّ قبل الفحص و اليأس من وجود المخصّص؛ لجواز أن يكون هذا العامّ من العمومات التي لها مخصّص موجود في السنّة أو في الكتاب لم يطّلع عليه من وصل إليه العامّ. و قد نقل عدم الخلاف، بل الإجماع (٢) على عدم جواز الأخذ بالعامّ قبل الفحص و اليأس. و هو الحقّ.
و السرّ في ذلك واضح لما قدّمناه، لأنّه إذا كانت طريقة الشارع في بيان مقاصده أن يعتمد على القرائن المنفصلة لا يبقى اطمئنان بظهور العامّ في عمومه، فإنّه يكون ظهورا بدويّا. و للشارع حجّة على المكلّف إذا قصّر في الفحص عن المخصّص.
أمّا إذا بذل وسعه و فحص عن المخصّص في مظانّه حتّى حصل له الاطمئنان بعدم وجوده، فله الأخذ بظهور العامّ. و ليس للشارع حجّة عليه فيما لو كان هناك مخصّص واقعا لم يتمكّن المكلّف من الوصول إليه عادة بالفحص، بل للمكلّف أن يحتجّ فيقول: إنّي
[١]. معالم الدين: ١٣٥؛ مطارح الأنظار: ١٩٢؛ كفاية الأصول: ٢٥٣- ٢٥٤.
[٢]. و الناقل هو الغزاليّ في المستصفى ٢: ١٥٧: و ابن الحاجب في منتهى الوصول و الأمل: ١٤٤، و أبو إسحاق الشيرازيّ في اللمع: ٢٨.
و ذهب بعض العامّة إلى جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص، كالبيضاويّ و الأرمويّ و الصيرفيّ على ما في اللمع: ٢٨؛ و فواتح الرحموت (المطبوع بهامش المستصفى ١: ٢٦٧)، و نهاية السئول ٢: ٤٠٣. و قيل: «أوّل من عنون المسألة أبو العباس بن سريج المتوفّى أوائل القرن الرابع، و كان يقول بعدم الجواز. و استشكل عليه تلميذه أبو بكر الصيرفي بأنّه لو لم يجز ذلك لما جاز التمسّك بأصالة الحقيقة أيضا قبل الفحص عن قرينة المجاز». هذا منقول في نهاية الأصول: ٣١١.