أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٣٦ - الحقّ في المسألة
نعم، إذا كان القائل بالسراية يقصد أنّ العنوان يؤخذ فانيا في المعنون، و حاكيا عنه، و أنّ الغرض إنّما يقوم بالمعنون فذلك حقّ و نحن نقول به، و لكن ذلك لا ينفعه في الغرض الذي يهدف إليه؛ لأنّا نقول بذلك من دون أن نجعل متعلّق التكليف نفس المعنون، و إنّما يكون متعلّقا له ثانيا و بالعرض، كالمعلوم بالعرض- كما أشرنا إليه فيما سبق-، فإنّ العلم إنّما يتعلّق بالمعلوم بالذات، و يتقوّم به، و ليس هو إلّا العنوان الموجود بوجود علميّ، و لكن باعتبار فنائه في معنونه يقال للمعنون: «إنّه معلوم»، و لكنّه في الحقيقة هو معلوم بالعرض لا بالذات، و هذا الفناء هو الذي يخيّل الناظر أنّ المتعلّق الحقيقيّ للعلم هو المعنون، و لقد أحسنوا في تعريف العلم بأنّه «حصول صورة الشيء لدى العقل، لا حصول نفس الشيء»، فالمعلوم بالذات هو الصورة، و المعلوم بالعرض نفس الشيء الذي حصلت صورته لدى العقل.
و إذا ثبت ما تقدّم، و اتّضح ما رمينا إليه- من أنّ متعلّق التكليف أوّلا و بالذات هو العنوان و أنّ المعنون متعلّق له بالعرض- يتّضح لك الحقّ جليّا في مسألتنا «مسألة اجتماع الأمر و النهي»، و هو أنّ الحقّ جواز الاجتماع.
و معنى جواز الاجتماع أنّه لا مانع من أن يتعلّق الإيجاب بعنوان، و يتعلّق التحريم بعنوان آخر، و إذا جمع المكلّف بينهما صدفة بسوء اختياره فإنّ ذلك لا يجعل الفعل الواحد المعنون لكلّ من العنوانين متعلّقا للإيجاب و التحريم إلّا بالعرض، و ليس ذلك بمحال؛ فإنّ المحال إنّما هو أن يكون الشيء الواحد بذاته متعلّقا للإيجاب و التحريم.
و عليه، فيصحّ أن يقع الفعل الواحد امتثالا للأمر من جهة باعتبار انطباق العنوان المأمور به عليه، و عصيانا للنهي من جهة أخرى باعتبار انطباق عنوان المنهيّ عنه عليه. و لا محذور في ذلك ما دام أنّ ذلك الفعل الواحد ليس بنفسه و بذاته متعلّقا للأمر و للنهي ليكون ذلك محالا، بل العنوانان الفانيان هما المتعلّقان للأمر و النهي، غاية الأمر أنّ تطبيق العنوان المأمور به على هذا الفعل يكون هو الداعي إلى إتيان الفعل، و لا فرق بين فرد و فرد في انطباق العنوان عليه، فالفرد الذي ينطبق عليه العنوان المنهيّ عنه كالفرد الخالي من ذلك في كون كلّ منهما ينطبق عليه العنوان المأمور به بلا جهة خلل في الانطباق.