أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٤١ - تنبيه الاستحسان، و المصالح المرسلة، و سدّ الذرائع
و لو أردنا إخراجها من عمومات حرمة العمل بالظنّ لا يبقى عندنا ما يصلح لانطباق هذه العمومات عليه ممّا يستحقّ الذكر، فيبقى النهي عن الظنّ بلا موضوع، و من البديهيّ عدم جواز تخصيص الأكثر؛ على أنّه قد أوضحنا- فيما سبق في الدليل العقليّ (١)- أنّ الأحكام و ملاكاتها لا يستقلّ العقل بإدراكها ابتداء،- أي ليس من الممكن للعقول أن تنالها ابتداء من دون السماع من مبلّغ الأحكام، إلّا بالملازمة العقليّة-. و شأنها في ذلك شأن جميع المجعولات، كاللغات، و الإشارات، و العلامات، و نحوها؛ فإنّه لا معنى للقول بأنّها تعلم من طريق عقليّ مجرّد، سواء كان من طريق بديهيّ، أم نظريّ.
و لو صحّ للعقل هذا الأمر لما كان هناك حاجة لبعثة الرسل، و نصب الأئمّة؛ إذ يكون- حينئذ- كلّ ذي عقل متمكّنا بنفسه من معرفة أحكام اللّه (تعالى)، و يصبح كلّ مجتهد نبيّا، أو إماما. و من هنا تعرف السرّ في إصرار أصحاب الرأي على قولهم بأنّ كلّ مجتهد مصيب، و قد اعترف الإمام الغزاليّ بأنّه لا يمكن إثبات حجّيّة القياس إلّا بتصويب كلّ مجتهد، و زاد على ذلك قوله ب «أنّ المجتهد و إن خالف النصّ فهو مصيب، و أنّ الخطأ غير ممكن في حقّه». (٢)
و من أجل ما ذكرناه من عدم إمكان إثبات حجّيّة مثل هذه الأدلّة رأينا الاكتفاء بذلك عن شرح هذه الأدلّة، و مرادهم منها، و مناقشة أدلّتهم. و نحيل الطلّاب على محاضرات «مدخل الفقه المقارن» (٣) التي ألقاها أستاذ المادّة في كلّيّة الفقه، الأخ السيد محمّد تقيّ الحكيم؛ فإنّ فيها الكفاية.
[١]. راجع الصفحة: ٤٧٨- ٤٨٠.
[٢]. المستصفى ٢: ٢٣٩.
[٣]. المدخل للفقه المقارن «الأصول العامّة للفقه المقارن»: ٣٠٣- ٤٠٤.