أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٩١ - ٩ المقدّمة العباديّة
٩. المقدّمة العباديّة
ثبت بالدليل أنّ بعض المقدّمات الشرعيّة لا تقع (١) مقدّمة إلّا إذا وقعت على وجه عباديّ، و ثبت أيضا ترتّب الثواب عليها بخصوصها. و مثالها منحصر في الطهارات الثلاث:
الوضوء، و الغسل، و التيمّم.
و قد سبق في الأمر الثاني (٢) الإشكال فيها من جهتين: من جهة أنّ الواجب الغيريّ لا يكون إلّا توصّليّا، فكيف يجوز أن تقع المقدّمة بما هي مقدّمة عبادة؟! و من جهة ثانية: أنّ الواجب الغيريّ بما هو واجب غيريّ لا استحقاق للثواب عليه.
و في الحقيقة إنّ هذا الإشكال ليس إلّا إشكالا على أصولنا التي أصّلناها للواجب الغيريّ، فنقع في حيرة في التوفيق بين ما فهمناه عن الواجب الغيريّ، و بين عباديّة هذه المقدّمات الثابتة عباديّتها، و إلّا فكون هذه المقدّمات عباديّة يستحقّ الثواب عليها أمر مفروغ عنه، لا يمكن رفع اليد عنه.
فإذن، لا بدّ لنا من توضيح ما أصّلناه في الواجب الغيريّ بتوجيه عباديّة المقدّمة على وجه يلائم توصّليّة الأمر الغيريّ، و قد ذهبت الآراء أشتاتا في توجيه ذلك.
و نحن نقول على الاختصار: إنّه من المتيقّن- الذي لا ينبغي أن يتطرّق إليه الشكّ من أحد- أنّ الصلاة- مثلا- ثبت من طريق الشرع توقّف صحّتها على إحدى الطهارات الثلاث، و لكن لا تتوقّف على مجرّد أفعالها كيفما اتّفق وقوعها، بل إنّما تتوقّف على فعل الطهارة إذا وقع على الوجه العباديّ، أي إذا وقع متقرّبا به إلى اللّه (تعالى)، فالوضوء العباديّ- مثلا- هو الشرط، و هو المقدّمة التي تتوقّف صحّة الصلاة عليها.
و عليه، فلا بدّ أن يفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلّق الأمر الغيريّ به؛ لأنّ الأمر الغيريّ- حسبما فرضناه- إنّما يتعلّق بالوضوء العباديّ بما هو عبادة، لا بأصل الوضوء بما هو؛ فلم تنشأ عباديّته من الأمر الغيريّ حتّى يقال: «إنّ عباديّته لا تلائم توصّليّة الأمر
[١]. التأنيث باعتبار ما أضيفت إليه كلمة «بعض».
[٢]. هذا سهو من المصنّف (رحمه اللّه). و الصواب: «الأمر الثالث». فراجع الصفحة: ٢٧٢- ٢٧٣.