أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٧٥ - الباب الرابع الدليل العقليّ
و أوّل من وجدته من الأصوليّين يصرّح بالدليل العقليّ، الشيخ ابن إدريس (المتوفّى ٥٩٨ ه. ق)، فقال في السرائر: «فإذا فقدت الثلاثة- يعني الكتاب، و السنّة، و الإجماع- فالمعتمد عند المحقّقين التمسّك بدليل العقل فيها» (١). و لكنّه لم يذكر المراد منه.
ثمّ يأتي المحقّق الحليّ (المتوفّى ٦٧٦ ه. ق)، فيشرح المراد منه، فيقول في كتابه «المعتبر» (٢) ما ملخّصه:
و أمّا الدليل العقليّ فقسمان:
(أحدهما): ما يتوقّف فيه على الخطاب، و هو ثلاثة: لحن الخطاب، و فحوى الخطاب، و دليل الخطاب.
و ثانيهما: ما ينفرد العقل بالدلالة عليه.
و يحصره في وجوه الحسن و القبح، بما لا يخلو من المناقشة في أمثلته.
و يزيد عليه الشهيد الأوّل (المتوفّى سنة ٧٨٦ ه. ق) في مقدّمة كتابه «الذكرى»، (٣) فيجعل القسم الأوّل ما يشمل الأنواع الثلاثة التي ذكرها المحقّق، و ثلاثة أخرى، و هي مقدّمة الواجب، و مسألة الضدّ، و أصل الإباحة في المنافع و الحرمة في المضارّ. و يجعل القسم الثاني ما يشمل ما ذكره المحقّق، و أربعة أخرى، و هي: البراءة الأصليّة، و ما لا دليل عليه، و الأخذ بالأقلّ عند الترديد بينه و بين الأكثر، و الاستصحاب.
و هكذا ينهج هذا النهج جماعة آخرون من المؤلّفين، (٤) في حين أنّ الكتب الدراسيّة المتداولة، مثل المعالم، و الرسائل، و الكفاية لم تبحث هذا الموضوع، و لم تعرّف الدليل العقليّ، و لم تذكر مصاديقه، إلّا إشارة عابرة في ثنايا الكلام.
و من تصريحات المحقّق و الشهيد الأوّل يظهر أنّه لم تتجلّ فكرة الدليل العقليّ في تلك العصور، فوسّعوا في مفهومه إلى ما يشمل الظواهر اللفظيّة، مثل لحن الخطاب- و هو
[١]. السرائر ١: ٤٦.
[٢]. المعتبر في شرح المختصر ١: ٣١.
[٣]. ذكرى الشيعة ١: ٥٢- ٥٣.
[٤]. كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع ١: ٧.