أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٩٧ - المسألة الخامسة مقدّمات الحكمة
يسقط عن الحجّيّة لقيام القرينة المقدّمة عليه و الحاكمة، فيكون ظهوره ظهورا بدويّا- كما قلنا في تخصيص العموم بالخاصّ المنفصل-، و لا تكون للمطلق الدلالة التصديقيّة الكاشفة عن مراد المتكلّم، بل الدلالة التصديقيّة إنمّا هي على إرادة التقييد واقعا.
الثالثة: أن يكون المتكلّم في مقام البيان، فإنّه لو لم يكن في هذا المقام بأن كان في مقام التشريع فقط أو كان في مقام الإهمال، إمّا رأسا أو لأنّه في صدد بيان حكم آخر، فيكون في مقام الإهمال من جهة مورد الإطلاق- و سيأتي مثاله- فإنّه في كلّ ذلك لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق؛ أمّا في مقام التشريع بأن كان في مقام بيان الحكم لا للعمل به فعلا بل لمجرّد تشريعه، فيجوز ألّا يبيّن تمام مراده، مع أنّ الحكم في الواقع مقيّد بقيد لم يذكره في بيانه انتظارا لمجيء وقت العمل، فلا يحرز أنّ المتكلّم في صدد بيان جميع مراده. و كذلك إذا كان المتكلّم في مقام الإهمال رأسا؛ فإنّه لا ينعقد معه ظهور في الإطلاق، كما لا ينعقد للكلام ظهور في أيّ مرام. و مثله ما إذا كان في صدد حكم آخر، مثل قوله (تعالى): فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ (١) الوارد في مقام بيان حلّ صيد الكلاب المعلّمة من جهة كونه ميتة، و ليس هو في مقام بيان مواضع الإمساك أنّها تتنجّس، فيجب تطهيرها أم لا، فلم يكن هو في مقام بيان هذه الجهة، فلا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق من هذه الجهة.
و لو شكّ في أنّ المتكلّم في مقام البيان أو الإهمال، فإنّ الأصل العقلائيّ يقتضي بأن يكون في مقام البيان (٢)، فإنّ العقلاء كما يحملون المتكلّم على أنّه ملتفت غير غافل و جادّ غير هازل عند الشكّ في ذلك، كذلك يحملونه على أنّه في مقام البيان و التفهيم، لا في مقام الإهمال و الإيهام.
و إذا تمّت هذه المقدّمات الثلاث فإنّ الكلام المجرّد عن القيد يكون ظاهرا في الإطلاق، و كاشفا عن أنّ المتكلّم لا يريد المقيّد، و إلّا لو كان قد أراده واقعا، لكان عليه البيان، و المفروض أنّه حكيم ملتفت جادّ غير هازل، و هو في مقام البيان، و لا مانع
[١]. المائدة (٥) الآية: ٤.
[٢]. هكذا في الكفاية: ٢٨٨.