أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٧٨ - ٦ المناط في إثبات حجّيّة الأمارة
هذا قالوا: يكفي في طرح الأمارة أن يقع الشكّ في اعتبارها، أو فقل على الأصحّ: يكفي ألّا يحصل العلم باعتبارها؛ فإنّ نفس عدم العلم بذلك كاف في حصول العلم بعدم اعتبارها، أي بعدم جواز التعويل عليها و الاستناد إليها. و ذلك كالقياس و الاستحسان و ما إليهما و إن أفادت ظنّا قويّا.
و لا نحتاج في مثل هذه الأمور إلى الدليل على عدم اعتبارها، و عدم حجّيّتها، بل بمجرّد عدم حصول القطع بحجّيّة الشيء يحصل القطع بعدم جواز الاستناد إليه في مقام العمل، و بعدم صحّة التعويل عليه، فيكون القطع مأخوذا في موضوع حجّيّة الأمارة.
و يتحصّل من ذلك كلّه أنّ أماريّة الأمارة و حجّيّة الحجّة إنّما تحصل و تتحقّق بوصول علمها إلى المكلّف، و بدون العلم بالحجّيّة لا معنى لفرض كون الشيء أمارة و حجّة، و لذا قلنا: «إنّ مناط إثبات الحجّيّة و قوامها (١) العلم»، فهو (٢) مأخوذ في موضوع الحجيّة؛ فإنّ العلم تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة.
و لزيادة الإيضاح لهذا الأمر، و لتمكين النفوس المبتدئة من الاقتناع بهذه الحقيقة البديهيّة نقول من طريق آخر لإثباتها:
أوّلا: إنّ الظنّ بما هو ظنّ ليس حجّة بذاته.
و هذه مقدّمة واضحة قطعيّة، و إلّا لو كان الظنّ حجة بذاته، لما جاز النهي عن اتّباعه و العمل به، و لو في بعض الموارد على نحو الموجبة الجزئيّة؛ لأنّ ما هو بذاته حجّة يستحيل النهي عن الأخذ به، كما سيأتي في حجّيّة القطع (المبحث الآتي)، و لا شكّ في وقوع النهي عن اتّباع الظنّ في الشريعة الإسلاميّة المطهّرة، و يكفي في إثبات ذلك قوله (تعالى): إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ... (٣)
ثانيا: إذا لم يكن الظنّ حجّة بذاته فحجّيّته تكون عرضيّة- أي إنّها تكون مستفادة من الغير-؛ فننقل الكلام إلى ذلك الغير المستفادة منه حجّيّة الظنّ؛ فإن كان هو القطع، فذلك هو
[١]. أي قوام الأمارة.
[٢]. أي العلم.
[٣]. الأنعام (٦) الآية: ١١٦؛ يونس (١٠) الآية: ٦٦.