أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٧٨ - الباب الرابع الدليل العقليّ
الأمر بشيء من البسط، كوضع النقاط على الحروف، كما يقولون، فنقول:
١. إنّه قد تقدّم (١) أنّ العقل ينقسم إلى عقل نظريّ، و عقل عمليّ. و هذا التقسيم باعتبار ما يتعلّق به الإدراك.
فالمراد من «العقل النظريّ» إدراك ما ينبغي أن يعلم، أي إدراك الأمور التي لها واقع.
و المراد من «العقل العمليّ» إدراك ما ينبغي أن يعمل، أي حكمه بأنّ هذا الفعل ينبغي فعله، أو لا ينبغي فعله.
٢. إنّه ما المراد من العقل- الذي نقول: إنّه حجّة- من هذين القسمين؟
إن كان المراد «العقل النظريّ» فلا يمكن أن يستقلّ بإدراك الأحكام الشرعيّة ابتداء، أي لا طريق للعقل أن يعلم- من دون الاستعانة بالملازمة- أنّ هذا الفعل حكمه كذا عند الشارع. و السرّ في ذلك واضح؛ لأنّ أحكام اللّه (تعالى) توقيفيّة، فلا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلّغ الأحكام، المنصوب من قبله (تعالى) لتبليغها؛ ضرورة أنّ أحكام اللّه (تعالى) ليست من القضايا الأوّليّة، و ليست ممّا تنالها المشاهدة بالبصر و نحوه من الحواسّ الظاهرة، بل الباطنة، و ليست أيضا ممّا تنالها التجربة و الحدس. و إذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلّغها؟! و شأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر، كاللغات، و الخطوط، و الرموز، و نحوها.
و كذلك ملاكات الأحكام كنفس الأحكام، لا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلّغ الأحكام؛ لأنّه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها أسرار أحكام اللّه (تعالى) و ملاكاتها التي أنيطت بها الأحكام عنده (٢)، و الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا.
و على هذا، فمن نفى حجّيّة العقل، و قال: «إنّ الأحكام سمعيّة لا تدرك بالعقول» فهو على حقّ؛ إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه، و هو نفي استقلال العقل النظريّ في إدراك الأحكام و ملاكاتها. و لعلّ بعض منكري الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع
[١]. تقدّم في المقصد الثاني: ٢٣١.
[٢]. راجع ما تقدّم في المقصد الثاني: ٢٤٧.