أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٣٤ - الدليل من الإجماع
و لكن يجاب عن ذلك بأنّ السكوت لا نسلّم أنّه يحقّق الإجماع؛ لأنّه لا يدلّ على الإقرار إلّا من المعصوم بشروط الإقرار. و السرّ في ذلك أنّ السكوت في حدّ ذاته مجمل، فيه عند غير المعصوم أكثر من وجه واحد و احتمال؛ إذ قد ينشأ من الخوف، أو الجبن، أو الخجل، أو المداهنة، أو عدم العناية ببيان الحقّ، أو الجهل بالحكم الشرعيّ، أو وجهه، أو عدم وصول نبأ الفتيا إليهم ... إلى ما شاء اللّه من هذه الاحتمالات التي لا دافع لها بالنسبة إلى غير المعصوم. و قد يجتمع في شخص واحد أكثر من سبب واحد للسكوت عن الحقّ.
و من الاحتمالات أيضا أن يكون قد أنكر بعض الناس، و لكن لم يصل نبأ الإنكار إلينا.
و دواعي إخفاء الإنكار و خفائه كثيرة لا تحدّ و لا تحصر.
و أمّا ثالثا: فإنّ سكوت الباقين غير مسلّم، و يكفي لإبطال الإجماع إنكار شخص واحد، له شأن في الفتيا؛ إذ لا يتحقّق معه اتّفاق الجميع، فكيف إذا كان المنكرون أكثر من واحد، و قد ثبت تخطئة القول بالرأي عن ابن عبّاس (١)، و ابن مسعود (٢)، و أضرابهما (٣)، بل روي ذلك حتى عن عمر بن الخطّاب: «إيّاكم و أصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلّوا، و أضلّوا» (٤). و إن كنت أظنّ أنّ هذه الرواية موضوعة عليه؛ لثبوت أنّه في مقدّمة أصحاب أهل الرأي، مع أنّ أسلوب بيان الرواية بعيد عن النسبة إليه، و إلى عصره.
و على كلّ حال، فلا شيء أبلغ في الإنكار من المجاهرة بالخلاف، و الفتوى بالضدّ، و هذا قد كان من جماعة، كما قلنا، بل زاد بعضهم، كابن عبّاس، و ابن مسعود أن انتهى إلى ذكر المباهلة، و التخويف من اللّه (تعالى)، و هل شيء أبلغ في الإنكار من هذا؟ فأين الإجماع؟
[١]. روي عن عبد اللّه بن عبّاس أنّه قال: «إنّ اللّه (تعالى) قال لنبيّه: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ، و لم يقل:
بما رأيت». المستصفى ٢: ٢٤٨.
[٢]. عن عبد اللّه بن مسعود: «يذهب قرّاؤكم، و صلحاؤكم، و يتّخذ الناس رؤساء جهّالا، يقيسون الأمور برأيهم». العدّة ٢: ٦٨٩؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ٢: ٧٣٦.
[٣]. كأبي بكر، و عبد اللّه بن عمر، و زيد بن أرقم، و عائشة، و غيرها. راجع المستصفى ٢: ٢٤٧؛ ملخّص إبطال القياس: ٥٨.
[٤]. المستصفى ٢: ٢٤٧؛ ملخّص إبطال القياس: ٥٨.