أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٨٧ - ٨ المقدّمات المفوّتة
ذيها، فإنّ الصحيح- كما أفاده شيخنا الأصفهانيّ (رحمه اللّه)- أنّ وجوب المقدّمة ليس معلولا لوجوب ذيها، و لا مترشّحا منه، فليس هناك إشكال في وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها حتّى نلتجئ إلى إحدى هذه المحاولات لفكّ الإشكال، و كلّ هذه الشبهة إنما جاءت من هذا الفرض، و هو فرض معلوليّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها، و هو فرض لا واقع له أبدا، و إن كان هذا القول يبدو غريبا على الأذهان المشبعة بفرض أنّ وجوب ذي المقدّمة علّة لوجوب المقدّمة، بل نقول أكثر من ذلك: إنّه يجب في المقدّمة المفوّتة أن يتقدّم وجوبها على وجوب ذيها، إذا كنّا نقول بأنّ مقدّمة الواجب واجبة، و إن كان الحقّ- و سيأتي- عدم وجوبها مطلقا.
و لبيان عدم معلوليّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها نذكر أنّ الأمر- في الحقيقة- هو فعل الآمر، سواء كان الأمر نفسيّا أم غيريّا، فالآمر هو العلّة الفاعليّة له دون سواه، و لكن كلّ أمر إنّما يصدر عن إرادة الآمر؛ لأنّه فعله الاختياريّ، و الإرادة بالطبع مسبوقة بالشوق إلى فعل المأمور به- أي إنّ الآمر لا بدّ أن يشتاق أوّلا إلى فعل الغير على أن يصدر من الغير-، فإذا اشتاقه لا بدّ أن يدعو الغير و يدفعه و يحثّه على الفعل، فيشتاق إلى الأمر به، و إذا لم يحصل مانع من الأمر فلا محالة يشتدّ الشوق إلى الأمر حتّى يبلغ الإرادة الحتميّة، فيجعل الداعي في نفس الغير للفعل المطلوب، و ذلك بتوجيه الأمر نحوه.
هذا حال كلّ مأمور به، و من جملته «مقدّمة الواجب»؛ فإنّه إذا ذهبنا إلى وجوبها من قبل المولى لا بدّ أن نفرض حصول الشوق أوّلا في نفس الآمر إلى صدورها من المكلّف، غاية الأمر أنّ هذا الشوق تابع للشوق إلى فعل ذي المقدّمة و منبثق منه؛ لأنّ المختار إذا اشتاق إلى تحصيل شيء و أحبّه اشتاق و أحبّ بالتبع كلّ ما يتوقّف عليه ذلك الشيء على نحو الملازمة بين الشوقين. و إذا لم يكن هناك مانع من الأمر بالمقدّمات حصلت لدى الآمر- ثانيا- الإرادة الحتميّة التي تتعلّق بالأمر بها، فيصدر حينئذ الأمر.
إذا عرفت ذلك، فإنّك تعرف أنّه إذا فرض أنّ المقدّمة متقدّمة بالوجود الزمانيّ على ذيها على وجه لا يحصل ذوها في ظرفه و زمانه إلّا إذا حصلت هي قبل حلول زمانه، كما في أمثلة المقدّمات المفوّتة، فإنّه لا شكّ في أنّ الآمر يشتاقها أن تحصل في ذلك الزمان