أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٨٦ - ٨ المقدّمات المفوّتة
التكاليف. و معنى ذلك أنّ الوجوب الذي هو مدلول الهيئة في جميع الواجبات مطلق دائما غير مقيّد بشرط أبدا، و كلّ ما يتوهّم من رجوع القيد إلى الوجوب فهو راجع في الحقيقة إلى الواجب الذي هو مدلول المادّة؛ غاية الأمر أنّ بعض القيود مأخوذ في الواجب على وجه يكون مفروض الحصول و الوقوع، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، و مثل هذا لا يجب تحصيله و يكون حكمه حكم ما لو كان شرطا للوجوب؛ و بعضها لا يكون مأخوذا على وجه يكون مفروض الحصول، بل يجب تحصيله توصّلا إلى الواجب؛ لأنّ الواجب يكون هو المقيّد بما هو مقيّد بذلك القيد.
و على هذا التصوير، فالوجوب يكون دائما فعليّا قبل مجيء وقته، و شأنه في ذلك شأن الوجوب على القول بالواجب المعلّق، لا فرق بينهما في الموقّتات بالنسبة إلى الوقت، فإذا كان الواجب استقباليّا فلا مانع من وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها.
و المحاولة الثالثة: ما نسب إلى بعضهم من أنّ الوقت شرط للوجوب، لا للواجب كما في المحاولتين الأوليين، و لكنّه مأخوذ فيه على نحو الشرط المتأخّر (١). و عليه، فالوجوب يكون سابقا على زمان الواجب نظير القول بالمعلّق، فيصحّ فرض وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها؛ لفعليّة الوجوب قبل زمانه، فتجب مقدّمته.
و كلّ هذه المحاولات مذكورة في كتب الأصول المطوّلة (٢)، و فيها مناقشات و أبحاث طويلة لا يسعها هذا المختصر، و مع الغضّ عن المناقشة في إمكانها في أنفسها لا دليل عليها إلّا ثبوت وجوب المقدّمة قبل زمان [وجوب] ذيها، إذ كلّ صاحب محاولة منها يعتقد أنّ التخلّص من إشكال وجوب المقدّمة قبل زمان [وجوب] ذيها ينحصر في المحاولة التي يتصوّرها، فالدليل الذي يدلّ على وجوب المقدّمة المفوّتة قبل وقت الواجب لا محالة يدلّ عنده على محاولته.
و الذي أعتقده أنّه لا موجب لكلّ هذه المحاولات لتصحيح وجوب المقدّمة قبل زمان
[١]. كفاية الأصول: ١٣٠- ١٣١.
[٢]. و قد ذكر في المقام محاولات أخر. فإن شئت راجع مجمع الفائدة و البرهان ٢: ١١٠؛ مدارك الأحكام ٢:
٣٤٥؛ نهاية الأفكار ١: ٢٩٥- ٢٩٩.