أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥١٤ - ١ حجّيّة بناء العقلاء
و هناك قلنا: إنّ بناء العقلاء لا يكون دليلا إلّا إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع و إمضاؤه لطريقة العقلاء؛ لأنّ اليقين تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة.
و قلنا هناك: إنّ موافقة الشارع لا تستكشف على نحو اليقين إلّا بأحد شروط ثلاثة. و نذكر خلاصتها هنا بأسلوب آخر من البيان، فنقول:
إنّ السيرة إمّا أن ينتظر فيها أن يكون الشارع متّحد المسلك مع العقلاء؛ إذ لا مانع من ذلك. و إمّا ألّا ينتظر ذلك؛ لوجود مانع من اتّحاده معهم في المسلك، كما في الاستصحاب.
فإن كان الأوّل، فإن ثبت من الشارع الردع عن العمل بها فلا حجّيّة فيها قطعا.
و إن لم يثبت الردع منه، (١) فلا بدّ أن يعلم اتّحاده في المسلك معهم؛ لأنّه أحد العقلاء، بل رئيسهم، فلو لم يرتضها و لم يتّخذها مسلكا له كسائر العقلاء، لبيّن ذلك، و لردعهم عنها، و لذكر لهم مسلكه الذي يتّخذه بدلا عنها، لا سيّما في الأمارات المعمول بها عند العقلاء، كخبر الواحد الثقة، و الظواهر.
و إن كان الثاني فإمّا أن يعلم جريان سيرة العقلاء في العمل بها في الأمور الشرعيّة، كما في الاستصحاب. و إمّا ألّا يعلم ذلك، كما في الرجوع إلى أهل الخبرة في إثبات اللغات.
فإن كان الأوّل فنفس عدم ثبوت ردعه كاف في استكشاف موافقته لهم، لأنّ ذلك ممّا يعنيه و يهمّه، فلو لم يرتضها- و هي بمرأى و مسمع منه- لردعهم عنها، و لبلّغهم بالردع، بأيّ نحو من أنحاء التبليغ، فبمجرّد عدم ثبوت الردع منه نعلم بموافقته؛ ضرورة أنّ الردع الواقعيّ غير الواصل لا يعقل أن يكون ردعا فعليّا، و حجّة.
و بهذا نثبت حجّيّة مثل الاستصحاب ببناء العقلاء؛ لأنّه لمّا كان ممّا بنى على العمل به العقلاء بما فيهم المسلمون، و قد أجروه في الأمور الشرعيّة بمرأى و مسمع من الإمام، و المفروض أنّه لم يكن هناك ما يحول دون إظهار الردع، و تبليغه من تقيّة، و نحوها، فلا بدّ أن يكون الشارع قد ارتضاه؛ طريقة في الأمور الشرعيّة.
و إن كان الثاني- أي لم يعلم ثبوت السيرة في الأمور الشرعيّة- فإنّه لا يكفي حينئذ في
[١]. أي: من الشارع.