أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥١٦ - ٢ حجّيّة سيرة المتشرّعة
لها، و لو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله، كما سبق.
و إن كانت على النحو الثاني، فلا نجد مجالا للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع و اليقين، كما قلنا في الإجماع، و هي نوع منه، بل هي دون الإجماع القوليّ في ذلك، كما سيأتي وجهه. (١)
قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب البيع في مبحث المعاطاة: «و أمّا: ثبوت السيرة و استمرارها على التوريث- يقصد توريث ما يباع معاطاة- فهي كسائر سيراتهم الناشئة من المسامحة، و قلّة المبالاة في الدين ممّا لا يحصى في عباداتهم، و معاملاتهم، كما لا يخفى». (٢)
و من الواضح أنّه يعنى من السيرة هذا النحو الثاني. و السرّ في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة هو ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر، و تأثير العادات على عواطف الناس: أنّ بعض الناس المتنفّذين، أو المغامرين قد يعمل شيئا؛ استجابة لعادة غير إسلاميّة، أو لهوى في نفسه، أو لتأثيرات خارجيّة، نحو تقليد الأغيار، أو لبواعث انفعالات نفسيّة، مثل حبّ التفوّق على الخصوم، أو إظهار عظمة شخصه، أو دينه، أو نحو ذلك.
و يأتي آخر فيقلّد الأوّل في عمله، و يستمرّ العمل، فيشيع بين الناس من دون أن يحصل من يردعهم عن ذلك؛ لغفلة؛ أو لتسامح؛ أو لخوف؛ أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم؛ أو لغير ذلك.
و إذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقّاه الجيل بعد الجيل، فيصبح سيرة المسلمين، و ينسى تأريخ تلك العادة. و إذا استقرّت السيرة يكون الخروج عليها خروجا على العادات المستحكمة التي من شأنها أن تتكوّن لها قدسيّة و احترام لدى الجمهور، فيعدّون مخالفتها من المنكرات القبيحة، و حينئذ يتراءى أنّها عادة شرعيّة و سيرة إسلاميّة، و أنّ المخالف لها مخالف لقانون الإسلام، و خارج على الشرع.
و يشبه أن يكون من هذا الباب سيرة تقبيل اليد، و القيام احتراما للقادم، و الاحتفاء (٣)
[١]. يأتي في الصفحة: ٥١٧.
[٢]. المكاسب (للشيخ الأنصاري): ٨٣.
[٣]. الاحتفاء: إظهار الفرح.