أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٠٥ - ه حجّيّة ظواهر الكتاب
بالمعنى لا يحرز فيه نصّ ألفاظ المعصوم، و تعبيره، و لا مراداته. و لا يحرز في أكثرها أنّ النقل كان لنصّ الألفاظ.
و أمّا: ما ورد من النهي عن التفسير بالرأي- مثل النبوي المشهور: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» (١)-، فالجواب عنه أنّ التفسير غير الأخذ بالظاهر، و الأخذ بالظاهر لا يسمّى تفسيرا، على أنّ مقتضى الجمع بينها و بين تلك الأخبار المجوّزة للأخذ بالكتاب و الرجوع إليه حمل التفسير بالرأي- إذا سلّمنا أنّه يشمل الأخذ بالظاهر- على معنى التسرّع بالأخذ به بالاجتهادات الشخصيّة، من دون فحص، و من دون سابقة معرفة و تأمّل و دراسة، كما يعطيه التعليل في بعضها، بأنّ فيه ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا. مع أنّه في الكتاب العزيز من المقاصد العالية ما لا ينالها إلّا أهل الذكر، و فيه ما يقصر عن الوصول إلى إدراكه أكثر الناس، و لا يزال ينكشف له من الأسرار ما كان خافيا على المفسّرين كلّما تقدّمت العلوم و المعارف ممّا يوجب الدهشة، (٢) و يحقّق إعجازه من هذه الناحية.
و التحقيق أنّ في الكتاب العزيز جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهورا و خفاء، و ليست ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة إلى أكثر الناس، و كذلك كلّ كلام، و لا يخرج الكلام بذلك عن كونه ظاهرا يصلح للاحتجاج به عند أهله، بل قد تكون الآية الواحدة لها ظهور من جهة لا يخفى على كلّ أحد، و ظهور آخر يحتاج إلى تأمّل و بصيرة، فيخفى على كثير من الناس.
و لنضرب لذلك مثلا، قوله (تعالى): إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (٣)، فإنّ هذه الآية الكريمة ظاهرة في أنّ اللّه (تعالى) قد أنعم على نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بإعطائه الكوثر. و هذا الظهور بهذا المقدار لا شكّ فيه لكلّ أحد. و لكن ليس كلّ الناس فهموا المراد من «الكوثر». فقيل:
«المراد به نهر في الجنّة». و قيل: «المراد القرآن و النبوّة». و قيل: «المراد به ابنته
[١]. لم أعثر عليه بالعبارة المذكورة، و لكن ورد في البحار: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار». بحار الأنوار ٩٢: ١١.
[٢]. أي: التحيّر.
[٣]. الكوثر (١٠٨) الآية: ١.