أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٧٩ - الباب الرابع الدليل العقليّ
قصد هذا المعنى، كصاحب الفصول (١) و جماعة من الأخباريّين، و لكن خانه التعبير عن مقصوده. (٢) و إذا كان هذا مرادهم فهو أجنبيّ عمّا نحن بصدده من كون الدليل العقليّ حجة يتوصّل به إلى الحكم الشرعيّ.
إنّنا نقصد من الدليل العقليّ حكم العقل النظريّ بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا أو عقلا و بين حكم شرعيّ آخر، كحكمه بالملازمة في مسألة الإجزاء، و مقدّمة الواجب، و نحوهما، و كحكمه باستحالة التكليف بلا بيان، اللازم منه حكم الشارع بالبراءة، و كحكمه بتقديم الأهمّ في مورد التزاحم بين الحكمين المستنتج منه فعليّة حكم الأهمّ عند اللّه (تعالى)، و كحكمه بوجوب مطابقة حكم اللّه (تعالى) لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة؛ فإنّ هذه الملازمات و أمثالها أمور حقيقيّة واقعيّة يدركها العقل النظريّ بالبداهة، أو بالكسب؛ لكونها من الأوّليّات و الفطريّات التي قياساتها معها؛ أو لكونها تنتهي إليها، فيعلم بها العقل على سبيل الجزم.
و إذا قطع العقل بالملازمة- و المفروض أنّه قاطع بثبوت الملزوم- فإنّه لا بدّ أن يقطع بثبوت اللازم و هو- أي اللازم- حكم الشارع، و مع حصول القطع، فإنّ القطع حجّة يستحيل النهي عنه، (٣) بل به حجّيّة كلّ حجّة كما سبق بيانه. (٤)
و عليه، فهذه الملازمات العقليّة هي كبريات القضايا العقليّة التي بضمّها إلى صغرياتها يتوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ. و لا أظنّ أحدا- بعد التوجّه إليها، و الالتفات إلى حقيقتها- يستطيع إنكارها إلّا السوفسطائيّين الذين ينكرون الوثوق بكلّ معرفة، حتى المحسوسات.
و لا أظنّ أنّ هذه القضايا العقليّة هي مقصودة من أنكر حجّيّتها من الأخباريّين و
[١]. لا يخفى أنّ صاحب الفصول لم ينكر الملازمة مطلقا، بل أنكر الملازمة الواقعيّة، و التزم بالملازمة الظاهريّة.
راجع الفصول: ٣٣٧.
[٢]. أي: لم يف به التعبير عن مقصوده.
[٣]. حقّ العبارة هكذا: «و مع حصول القطع يستحيل النهى عنه؛ فإنّه حجّة ذاتا»؛ فإنّ ذاتية الحجّيّة علّة لاستحالة النهي.
[٤]. راجع الصفحة: ٣٧٦- ٣٧٩.