أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٥٤ - أمّا السؤال الأوّل
و للجواب عن هذا السؤال علينا أن نرجع القهقرى إلى أوّل إجماع اتّخذ دليلا في تأريخ المسلمين. إنّه الإجماع المدّعى على بيعة أبي بكر؛ خليفة للمسلمين، فإنّه إذا وقعت البيعة له- و المفروض أنّه لا سند لها (١) من طريق النصّ القرآنيّ، و السنّة النبويّة- اضطرّوا إلى تصحيح شرعيّتها من طريق الإجماع، فقالوا:
أوّلا: إنّ المسلمين من أهل المدينة أو أهل الحلّ و العقد منهم أجمعوا على بيعته. (٢)
و ثانيا: إنّ الإمامة من الفروع لا من الأصول. (٣)
و ثالثا: إنّ الإجماع حجّة في مقابل الكتاب و السنّة، أي إنّه دليل ثالث، غير الكتاب و السنّة. (٤)
ثمّ منه توسّعوا، فاعتبروه دليلا في جميع المسائل الشرعيّة الفرعيّة. و سلكوا لإثبات حجّيّته ثلاثة مسالك: الكتاب، و السنّة، و العقل.
و من الطبيعي ألّا يجعلوا الإجماع من مسالكه؛ لأنّه يؤدّي إلى إثبات الشيء بنفسه، و هو دور باطل.
أمّا مسلك الكتاب: فآيات استدلّوا بها [و هي] لا تنهض دليلا على مقصودهم. و أولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين، و هي قوله (تعالى): وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً (٥). فإنّها توجب اتّباع سبيل المؤمنين، فإذا أجمع المؤمنون على حكم فهو سبيلهم، فيجب اتّباعه. و بهذه الآية تمسّك الشافعيّ على ما نقل عنه. (٦)
و يكفينا في ردّ الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزاليّ منها؛ إذ قال: «الظاهر أنّ المراد
[١]. أي للبيعة.
[٢]. راجع شرح المواقف ٨: ٣٥٣، شرح المقاصد ٥: ٢٦٤؛ الأربعين (للرازي): ٤٣٧- ٤٣٨.
[٣]. راجع شرح المواقف ٨: ٣٤٤؛ شرح المقاصد ٥: ٢٣٢.
[٤]. راجع التعليقة (٦) من الصفحة: ٤٥١.
[٥]. النساء (٤) الآية: ١١٥.
[٦]. راجع نهاية السئول ٣: ٢٤٨؛ المستصفى ١: ١٧٥؛ الإحكام (للآمدي) ١: ٢٨٦.