أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٥٣ - أمّا السؤال الأوّل
شيء، أو إجماع أمّة من الأمم بما هو إجماع و اتّفاق لا قيمة علميّة له في استكشاف حكم اللّه (تعالى)؛ لأنّه لا ملازمة بينه و بين حكم اللّه (تعالى)، فالعلم به لا يستلزم العلم بحكم اللّه (تعالى) بأيّ وجه من وجوه الملازمة.
نعم، الشيء الذي يجب ألّا يفوتنا التنبيه عليه في الباب أنّا قد قلنا فيما سبق في الجزء الثاني (١) و سيأتي: (٢) إنّ تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء في القضايا المشهورة العمليّة التي نسمّيها «الآراء المحمودة»، و التي تتعلّق بحفظ النظام و النوع، يستكشف به الحكم الشرعيّ؛ لأنّ الشارع من العقلاء، بل رئيسهم، و هو خالق العقل، فلا بدّ أن يحكم بحكمهم.
و لكن هذا التطابق ليس من نوع الإجماع المقصود، بل هو نفس الدليل العقليّ الذي نقول بحجّيّته في مقابل الكتاب، و السنّة، و الإجماع. و هو من باب التحسين و التقبيح العقليّين الذي (٣) ينكره هؤلاء الذاهبون إلى حجّيّة الإجماع.
أمّا: إجماع الناس- الذي لا يدخل في تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء- فلا سبيل إلى اتّخاذه دليلا على الحكم الشرعيّ؛ لأنّ اتّفاقهم قد يكون بدافع العادة، أو العقيدة، أو الانفعال النفسيّ، أو الشبهة، أو نحو ذلك. و كلّ هذه الدوافع من خصائص البشر، لا يشاركهم الشارع فيها؛ لتنزّهه عنها. فإذا حكموا بشيء بأحد هذه الدوافع لا يجب أن يحكم الشارع بحكمهم، فلا يستكشف من اتّفاقهم على حكم- بما هو اتّفاق- أنّ هذا الحكم واقعا هو حكم الشارع.
و لو أنّ إجماع الناس بما هو إجماع- كيفما كان و بأيّ دافع كان- هو حجّة و دليل لوجب أن يكون إجماع الأمم الأخرى غير المسلمة أيضا حجّة و دليلا. و لا يقول بذلك واحد ممّن يرى حجّيّة الإجماع.
إذن، كيف اتّخذ الأصوليّون إجماع المسلمين بالخصوص حجّة؟! و ما الدليل لهم على ذلك؟
[١]. راجع الصفحة: ٢٤٤- ٢٤٦.
[٢]. يأتي في الصفحة: ٤٨٠ و ٤٨٤- ٤٨٥.
[٣]. صفة «باب».