أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٢٢ - ١ دلالة فعل المعصوم
ظهر وجهه أنّه على نحو الإباحة، أو الوجوب، أو الاستحباب- مثلا- هل هو حجّة بالنسبة إلينا؟ أي إنّه هل يدلّ على اشتراكنا معه و تعدّيه إلينا، فيكون مباحا لنا، كما كان مباحا له، أو واجبا علينا، كما كان واجبا عليه ... و هكذا؟
و منشأ الخلاف أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) اختصّ بأحكام لا تتعدّى إلى غيره، و لا يشترك [فيها] معه باقي المسلمين، مثل: وجوب التهجّد في الليل، و جواز العقد على أكثر من أربع زوجات.
و كذلك له من الأحكام ما يختصّ بمنصب الولاية العامّة، فلا تكون لغير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو الإمام باعتبار أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. (١)
فإن علم أنّ الفعل الذي وقع من المعصوم من مختصّاته فلا شكّ في أنّه لا مجال لتوهّم تعدّيه إلى غيره، و إن علم عدم اختصاصه به بأيّ نحو من أنحاء الاختصاص (٢)، فلا شكّ في أنّه يعمّ جميع المسلمين، فيكون فعله حجّة علينا.
هذا كلّه ليس موضع الكلام، و إنّما موضع الشبهة في الفعل الذي لم يظهر حاله في كونه من مختصّاته، أو ليس من مختصّاته، و لا قرينة تعيّن أحدهما، فهل هذا بمجرّده كاف للحكم بأنّه من مختصّاته، أو للحكم بعمومه للجميع، أو أنّه غير كاف، فلا ظهور له أصلا في كلّ من النحوين؟ وجوه، بل أقوال. (٣)
و الأقرب هو الوجه الثاني. (٤)
و الوجه في ذلك أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بشر مثلنا، له ما لنا، و عليه ما علينا، و هو مكلّف من اللّه (تعالى) بما كلّف به الناس، إلّا ما قام الدليل الخاصّ على اختصاصه ببعض الأحكام، إمّا من جهة شخصه بذاته، و إمّا من جهة منصب الولاية، فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف؛ هذا مقتضى عموم أدلّة اشتراكه معنا في التكليف (٥)؛ فإذا صدر منه فعل
[١]. كما قال اللّه (تعالى): النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الأحزاب (٣٣) الآية: ٦.
[٢]. أي: سواء كان من جهة شخص المعصوم أو من جهة منصب ولايته العامّة.
[٣]. ذكرها الآمدي في: الإحكام ١: ٢٦٥- ٢٦٦.
[٤]. و هذا ما ذهب إليه الأكثر. منهم: المحقّق القمّي من الإماميّة في قوانين الأصول ١: ٤٩٢، و الآمديّ من العامّة في الإحكام ١: ٢٦٦.
[٥]. و هي عمومات التكاليف في القرآن.