أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٧٠ - ٢ معنى التبعيّة في الوجوب الغيريّ
من قبيل الأمر بالحجّ المرتّب وجودا على حصول الاستطاعة، و من قبيل الأمر بالصلاة بعد حصول البلوغ أو دخول الوقت.
و لكن هذا الوجه من التبعيّة أيضا لا ينبغي أن يكون هو المقصود هنا؛ فإنّه لو كان ذلك هو المقصود، لكان هذا الوجوب للمقدّمة- في الحقيقة- وجوبا نفسيّا آخر في مقابل وجوب ذي المقدّمة، و إنّما يكون وجوب ذي المقدّمة له السبق في الوجود فقط. و هذا ينافي حقيقة المقدّميّة؛ فإنّها لا تكون إلّا موصلة إلى ذي المقدّمة في وجودها و في وجوبها معا.
٣. أن يكون معنى التبعيّة ترشّح الوجوب الغيريّ من الوجوب النفسيّ لذي المقدّمة على وجه يكون معلولا له و منبعثا منه انبعاث الأثر من مؤثّره التكوينيّ، كانبعاث الحرارة من النار.
و كأنّ هذا الوجه من التبعيّة هو المقصود للقوم، و لذا قالوا بأنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقا و اشتراطا (١) لمكان هذه المعلوليّة؛ لأنّ المعلول لا يتحقّق إلّا حيث تتحقّق علّته، و إذا تحقّقت العلّة لا بدّ من تحقّقه بصورة لا يتخلّف عنها. و أيضا علّلوا امتناع وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها بامتناع وجود المعلول قبل وجود علّته.
و لكن هذا الوجه لا ينبغي أن يكون هو المقصود من تبعيّة الوجوب الغيريّ، و إن اشتهر على الألسنة؛ لأنّ الوجوب النفسيّ لو كان علّة للوجوب الغيريّ فلا يصحّ فرضه إلّا علّة فاعليّة تكوينيّة دون غيرها من العلل؛ فإنّه لا معنى لفرضه علّة صوريّة، أو مادّيّة، أو غائية، و لكن فرضه علّة فاعليّة أيضا باطل جزما؛ لوضوح أنّ العلّة الفاعليّة الحقيقيّة للوجوب هو الآمر؛ لأنّ الأمر فعل الآمر.
و الظاهر أنّ السبب في اشتهار معلوليّة الوجوب الغيريّ هو أنّ شوق الآمر للمقدّمة هو الذي يكون منبعثا من الشوق إلى ذي المقدّمة؛ لأنّ الإنسان إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق بالتبع إلى فعل كلّ ما يتوقّف عليه. و لكنّ الشوق إلى فعل الشيء من الغير ليس هو الوجوب، و إنّما الشوق إلى فعل الغير يدفع الآمر إلى الأمر به إذا لم يحصل ما يمنع من الأمر به، فإذا صدر منه الأمر- و هو أهل له- انتزع منه الوجوب.
[١]. و من القائلين به المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول: ١٢٥ و ١٤٢.