أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٤١ - ٦ أدلّة الطرفين
و أجيب عنه بأنّ الحسن و القبح في ذلك بمعنى الملاءمة و المنافرة أو بمعنى صفة الكمال و النقص، و هو مسلّم لا نزاع فيه. و أمّا بالمعنى المتنازع فيه فإنّا لا نسلّم جزم العقلاء به. (١)
و نحن نقول: إنّ من يدّعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان و قبح الظلم يدّعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان و ذمّهم لفاعل الظلم. و لا شكّ في أنّ هذا المدح و الذمّ من العقلاء ضروريّان؛ لتواترهما عن جميع الناس، و منكرهما مكابر. و الذي يدفع العقلاء لهذا- كما قدّمنا- شعورهم بأنّ العدل كمال للعادل، و ملاءمته لمصلحة النوع الإنسانيّ و بقائه، و شعورهم بنقص الظلم، و منافرته لمصلحة النوع الإنسانيّ و بقائه.
٤. و استدلّ العدليّة أيضا بأنّ الحسن و القبح لو كانا لا يثبتان إلّا من طريق الشرع، فهما لا يثبتان أصلا حتّى من طريق الشرع. (٢)
و قد صوّر بعضهم (٣) هذه الملازمة على النحو الآتي:
إنّ الشارع إذا أمر بشيء فلا يكون حسنا إلّا مدح مع ذلك الفاعل عليه، و إذا نهى عن شيء فلا يكون قبيحا إلّا إذا ذمّ الفاعل عليه. و من أين تعرف أنّه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به و يذمّ فاعل المنهيّ عنه، إلّا إذا كان ذلك واجبا عقلا؟ فتوقّف حسن المأمور به و قبح المنهيّ عنه على حكم العقل، و هو المطلوب.
ثمّ لو ثبت أنّ الشارع مدح فاعل المأمور به و ذمّ فاعل المنهيّ عنه، و المفروض أنّ مدح الشارع ثوابه و ذمّه عقابه، فمن أين نعرف أنّه صادق في مدحه و ذمّه، إلّا إذا ثبت أنّ الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه؟ فيتوقّف ثبوت الحسن و القبح شرعا على ثبوتهما عقلا، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا.
و قد أجاب بعض الأشاعرة (٤) عن هذا التصوير بأنّه يكفي في كون الشيء حسنا أن يتعلّق
[١]. هكذا أجاب عنه التفتازاني في شرح المقاصد ٤: ٢٩١.
[٢]. كشف المراد: ٣٠٣.
[٣]. كالحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى: ٣٢١. و صوّرها ابن ميثم على النحو الآخر، كما صوّرها العلّامة على النحو الثالث، فراجع قواعد المرام: ١٠٦، و كشف المراد: ٣٠٣.
[٤]. و هو التفتازاني في شرح المقاصد ٤: ٢٩٢، و القوشجيّ في شرح التجريد: ٣٤٠.