أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٣٦ - ٤ أسباب حكم العقل العمليّ بالحسن و القبح
و لكن هذا الحسن و القبح لا يعدّان حسنا و قبحا عقليّين، بل ينبغي أن يسمّيا «عاطفيّين» أو «انفعاليّين». و تسمّى القضايا هذه عند المنطقيّين ب «الانفعاليّات». و لأجل هذا لا يدخل هذا الحسن و القبح في محلّ النزاع مع الأشاعرة، و لا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه الأحكام؛ لأنّه ليس للشارع هذه الانفعالات؛ بل يستحيل وجودها فيه؛ لأنّها من صفات الممكن. و إنّما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن و القبح في الآراء المحمودة و التأديبات الصلاحيّة- على ما سيأتي (١)-، فباعتبار أنّ الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل فلا بدّ أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء، و لكن لا يجب أن يحكم بحكمهم بما هم عاطفيّون. و لا نقول: إنّ الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة.
الخامس: و من الأسباب «العادة عند الناس»، كاعتيادهم احترام القادم- مثلا- بالقيام له، و احترام الضيف بالطعام، فيحكمون لأجل ذلك بحسن القيام للقادم و إطعام الضيف.
و العادات العامّة كثيرة و متنوّعة، فقد تكون العادة تختصّ بأهل بلد أو قطر أو أمّة، و قد تعمّ جميع الناس في جميع العصور أو في عصر. فتختلف لأجل ذلك، القضايا التي يحكم بها بحسب العادة، فتكون مشهورة عند القوم الذين لهم تلك العادة دون غيرهم.
و كما يمدح الناس المحافظين على العادات العامّة يذمّون المستهينين بها، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقليّة أو عاطفيّة أو شرعيّة، أو سيّئة قبيحة من إحدى هذه النواحي، فتراهم يذمّون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها و يذمّون الحليق إذا اعتادوا إرسالها، و تراهم يذمّون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرّد أنّهم لم يعتادوا لبسه، بل ربّما يسخرون به أو يعدّونه مارقا.
و هذا الحسن و القبح أيضا ليسا عقليّين، بل ينبغي أن يسمّيا «عاديّين»؛ لأنّ منشأهما العادة. و تسمّى القضايا فيهما في عرف المناطقة «العاديّات». و لذا لا يدخل أيضا هذا الحسن و القبح في محلّ النزاع. و لا نقول نحن- أيضا- بلزوم متابعة الشارع للناس في أحكامهم هذه؛ لأنّهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون، أي بدافع العادة.
[١]. يأتي في الصفحة: ٢٤٤ و ٢٤٦.