أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٣٥ - ٤ أسباب حكم العقل العمليّ بالحسن و القبح
حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح، و أنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه ...» (١). و هكذا وافقه شارحها العظيم الخواجه نصير الدين الطوسي (٢).
الثالث: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح «الخلق الإنسانيّ» الموجود في كلّ إنسان على اختلافهم في أنواعه، نحو خلق الكرم و الشجاعة، فإنّ وجود هذا الخلق يكون سببا لإدراك أنّ أفعال الكرم- مثلا- ممّا ينبغي فعلها فيمدح فاعلها، و أفعال البخل ممّا ينبغي تركها فيذمّ فاعلها.
و هذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامّة أو المفسدة العامّة و لا من جهة الكمال للنفس أو النقص، بل بدافع الخلق الموجود.
و إذا كان هذا الخلق عامّا بين جميع العقلاء، يكون هذا الحسن و القبح مشهورين بينهم تتطابق عليهما آراؤهم. و لكن إنّما يدخل في محلّ النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامّة نوعيّة، فيدعو ذلك إلى المدح و الذمّ. و يجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته من «الخلقيّات» في المنطق (٣) لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنسانيّ بهذه المشهورات.
الرابع: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح «الانفعال النفسانيّ»، نحو الرقّة و الرحمة و الشفقة و الحياء و الأنفة و الحميّة و الغيرة ... إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها إنسان غالبا.
فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتّباعا لما في الغريزة من الرقّة و العطف.
و الجمهور يمدح من يعين الضعفاء و المرضى و يعني برعاية الأيتام و المجانين بل الحيوانات؛ لأنّه مقتضى الرحمة و الشفقة. و يحكم بقبح كشف العورة و الكلام البذيء؛ لأنّه مقتضى الحياء. و يمدح المدافع عن الأهل و العشيرة و الوطن و الأمّة؛ لأنّه مقتضى الغيرة و الحميّة ... إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامّة بين الناس.
[١]. شرح الإشارات ١: ٢١٩- ٢٢٠.
[٢]. المصدر السابق.
[٣]. المنطق ٣: ٢٩٦- ٢٩٧.