أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٧٨ - ١٠ تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد (٣)
مسألة تقديم الخبر الخاصّ على الآية القرآنيّة العامّة من المسائل المجمع عليها من غير خلاف بين علمائنا (١)، فما السرّ في ذلك مع ما قلناه؟
نقول: لا ريب في أنّ القرآن الكريم- و إن كان قطعيّ السند- فيه متشابه و محكم، نصّ على ذلك القرآن نفسه (٢)، و المحكم نصّ و ظاهر، و الظاهر منه عامّ و مطلق؛ كما لا ريب أيضا في أنّه ورد في كلام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام) ما يخصّص كثيرا من عمومات القرآن، و ما يقيّد كثيرا من مطلقاته، و ما يقوم قرينة على صرف جملة من ظواهره، و هذا قطعيّ لا يشكّ فيه أحد. فإن كان الخبر قطعيّ الصدور فلا كلام في ذلك، و إن كان غير قطعيّ الصدور و قد قام الدليل القطعيّ على أنّه حجّة شرعا، لأنّه خبر عادل- مثلا-، و كان مضمون الخبر أخصّ من عموم الآية القرآنيّة، فيدور الأمر بين أن نطرح الخبر- بمعنى أن نكذّب راويه- و بين أن نتصرّف بظاهر القرآن لأنّه لا يمكن التصرّف بمضمون الخبر؛ لأنّه نصّ أو أظهر، و لا بسند القرآن لأنّه قطعيّ. و مرجع ذلك إلى الدوران- في الحقيقة- بين مخالفة الظنّ بصدق الخبر و بين مخالفة الظنّ بعموم الآية. أو فقل: يدور الأمر بين طرح دليل حجّيّة الخبر و بين طرح أصالة العموم، فأيّ الدليلين أولى بالطرح؟ و أيّهما أولى بالتقديم؟
فنقول: لا شكّ أنّ الخبر صالح لأن يكون قرينة على التصرّف في ظاهر الكتاب؛ لأنّه بدلالته ناظر و مفسّر لظاهر الكتاب بحسب الفرض؛ و على العكس من ظاهر الكتاب؛ فإنّه غير صالح لرفع اليد عن دليل حجّيّة الخبر، لأنّه لا علاقة له فيه من هذه الجهة- حسب الفرض- حتى يكون ناظرا و مفسّرا له؛ فالخبر لسانه لسان المبيّن للكتاب، فيقدّم عليه، و ليس الكتاب بظاهره بصدد بيان دليل حجّيّة الخبر حتّى يقدّم عليه. و إن شئت فقل: إنّ الخبر بحسب الفرض قرينة على الكتاب، و الأصل الجاري في القرينة- و هو هنا أصالة
[١]. كما في المحاضرات ٥: ٣٠٩. و نسبه الشوكاني إلى جمهور العامّة، و الآمديّ إلى الأئمّة الأربعة، فراجع إرشاد الفحول: ١٥٨، و الإحكام ٢: ٤٧٢.
و ذهب الشيخ الطوسيّ إلى عدم جواز تخصيص العامّ الكتابيّ بخبر الواحد، و هو المحكيّ عن بعض الحنابلة.
راجع العدّة ١: ٣٤٤، و إرشاد الفحول: ١٥٨.
[٢]. قال اللّه (تعالى): هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ....
آل عمران (٣) الآية: ٧.