أصول الفقه مع تعليق زارعي السبزواري - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٨٠ - الصورة الثانية إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدّم العامّ
هو الأولى، أو الحمل على النسخ؟
فالذي يذهب إلى وجوب أن يكون الخاصّ ناسخا فهو ناظر إلى أنّ العامّ لمّا ورد و حلّ وقت العمل به- بحسب الفرض- فتأخير الخاصّ عن وقت العمل لو كان مخصّصا و مبيّنا لعموم العامّ يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو قبيح من الحكيم؛ لأنّ فيه إضاعة للأحكام و لمصالح العباد بلا مبرّر، فوجب أن يكون ناسخا للعامّ، و العامّ باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاصّ، فيجب العمل ثانيا على طبق الخاصّ.
و أمّا من ذهب إلى جواز كونه مخصّصا فلعلّه ناظر إلى أنّ العامّ يجوز أن يكون واردا لبيان حكم ظاهريّ صوريّ لمصلحة اقتضت كتمان الحكم الواقعيّ، و لو مصلحة التقيّة، أو مصلحة التدرّج في بيان الأحكام، كما هو المعلوم من طريقة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في بيان أحكام الشريعة، مع أنّ الحكم الواقعيّ التابع للمصالح الواقعيّة الثابتة للأشياء بعناوينها الأوّلية إنّما هو على طبق الخاصّ، فإذا جاء الخاصّ يكون كاشفا عن الحكم الواقعيّ، فيكون مبيّنا للعامّ و مخصّصا له، و أمّا الحكم العامّ الذي ثبت أوّلا ظاهرا و صورة إن كان قد ارتفع و انتهى أمده، فإنّه إنّما ارتفع لارتفاع موضوعه، و ليس هو من باب النسخ (١).
و إذا جاز أن يكون العامّ واردا على هذا النحو من بيان الحكم ظاهرا و صورة فإن ثبت ذلك، كان الخاصّ مخصّصا، أي كان كاشفا عن الواقع قطعا، و إن ثبت أنّه في صدد بيان الحكم الواقعيّ التابع للمصالح الواقعيّة الثابتة للأشياء بعناوينها الأوّليّة، فلا شكّ في أنّه يتعيّن كون الخاصّ ناسخا له.
و أمّا لو دار الأمر بينهما إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما، فأيّهما أرجح في الحمل؟
فنقول: الأقرب إلى الصواب هو الحمل على التخصيص.
و الوجه فيه: أنّ أصالة العموم- بما هي- لا تثبت أكثر من أنّ ما يظهر من العامّ هو المراد الجدّيّ للمتكلّم، و لا شكّ أنّ الحكم الصّوريّ- الذي نسمّيه ب «الحكم الظاهريّ»- كالواقعيّ مراد جدّيّ للمتكلّم؛ لأنّه مقصود بالتفهيم؛ فالعامّ ليس ظاهرا إلّا في أنّ المراد الجدّي هو العموم، سواء كان العموم حكما واقعيّا أو صوريّا؛ أمّا أنّ الحكم واقعيّ
[١]. هكذا أفاد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥: ٣٢٠- ٣٢٣.