البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٢٠٤ - الفصل الأوّل في تعريفه
ذرعي، و تصبّب عرق زيد، فالنفس هي الفاعلة، و الياء مجرورة الموضع بالإضافة، ثمّ إنّهم أسندوا الفعل إلى الياء، منقولا عن موضعه، فارتفع به كما ارتفعت به النّفس، فبقي المرفوع أوّلا غير مستحقّ للرّفع؛ لأنّه لا يكون فاعلان لفعل واحد بغير عاطف، و ليس بصفة للأوّل؛ لأنّه نكرة و الأوّل معرفة و لا هو هو، فيكون بدل كلّ، و لا فيه ضمير، فيكون بدل اشتمال، أو بعض، و لا يجوز جرّه؛ لعدم الجارّ؛ فلم يبق إلاّ النّصب؛ فنصبوه لذلك؛ و لأنّه جاء بعد تمام الكلام، و هو/استيفاء الفعل فاعله.
و في قولهم: "امتلأ الإناء ماء"، نظر؛ لأنّك لا تقول: امتلأ ماء الإناء، كما تقول: تصّبب عرق زيد، و لكنّه لمّا كان الماء يملأ الإناء؛ قرب من ذلك و كان فاعلا.
و من هذا الباب، كلّ ما يأتي بعد"أفعل"التّى للتفضيل، نحو قولك:
زيد أكمل النّاس عقلا، و أحسنهم وجها، و هو أجرأ جنانا، و أحسن عبدا؛ فالكمال و الحسن و الجراءة-فى الحقيقة-هي للعقل و الوجه و الجنان و العبد، و هي-في اللفظ-لمن أضيفت إليه، و فيه ضميره، إلا أنّ الوجه بعضه، و العبد غيره؛ فإذا قلت: أنت أحسن العبيد، فقد قدّمته عليهم، و هو واحد منهم، و إذا قلت: أنت أحسن عبد في النّاس، فمعناه: أنت أحسن من كلّ عبد إذا أفردوا عبدا عبدا، كما تقول: أنتما أحسن عبدين في النّاس إذا أفرد العبيد اثنين اثنين، و إذا قلت: زيد أحسن عبدا، لم يكن زيدا عبدا، و إذا قلت: زيد أحسن عبد، كان عبدا، و استقبحوا: زيد أكثر مالا و أطيبه؛ لأنّ الهاء لا تكون فى موضع الجرّ؛ لأنّه ليس ببعض الأوّل، و لا في موضع النّصب؛