البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٣
و ها أنا [١] قد عرّضت نفسى لرشق سهام الملام، إجابة لسؤالك؛ فإنّ الوقت حرج، و الشّواغل كثيرة، و الموانع جمّة، و العهد بهذ الفنّ بعيد و للنفّس عنه صادف، و الهمّة إلى غيره مصروفة، و من اللّه أستمدّ حسن التوفيق و الإعانة على ما كلّفتنيه و سمّيته كتاب «البديع فى علم العربيّة» .
و اعلم أن علم العربيّة المخصوص باسم النحو لا يعدو قسمين:
أحدهما: معرفة ذات الكلمة و بنائها و ما يتعلّق بحرفها من التغيير.
و الثانى: معرفة ما يطرأ عليها من الحركات و السّكون.
و كلّ واحد من هذين القسمين يدخل على الآخر فى التّبيين؛ لضرورة الإفهام، فهما متداخلان، لا يكاد ينفرد أحدهما بالذكر عن الآخر، إلاّ أنّ كلّ واحد منهما يغلب ذكره على بعض الأبواب دون بعض و الحكمة تقتضى أن يبدأ فى الذكر بالقسم الأول؛ لأنّ معرفة الذات قبل معرفة الصّفات، إلا أنّ العلماء عكسوا القضية، و كان الباعث على ذلك أمرين:
أحدهما: مسيس الحاجة الغالبة إلى معرفة الثانى؛ لما دخل على الألسنة من الفساد، و ذلك أنّ الإنسان يتلقّف الكلم في صغره و مبدئه، لضرورة الإفهام و الاستفهام، على ما يعلم من صحّة و فساد، و لّما غلبت العجمة على ألسنة النّاس تعلّموا الكلام ملحونا، فاحتاجوا إلى إصلاح ذلك، و الغالب على طريقه: معرفة الحركات و السّكون.
و الأمر الثانى: أن معرفة ذوات الكلم تشتمل على أشياء مشكلة كالتّصريف، و التصغير، و النّسب، ممّا يصعب فهمه على المبتدئين.
[١] -لم يذكر اسم الإشارة المطابق للضمير، و كان الأولى أن يقول: و ها أنذا... ، و قد صنع مثل هذا العلامة ابن هشام فى مقدّمة مغنى اللبيب عند قوله: و ها أنا بائح بما أسررته، حيث أدخل ها التنبيه على الضمير المنفصل، و خبره ليس اسم إشارة.