الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٠٢ - الإمام السيوطي
و املاء الحديث بالجامع الطولوني و درس الحديث بالخانقاه الشيخونية و تولى مشيخة الصوفية بمدفن برقوق الناصري، ثم تولى مشيخة المدرسة البيبرسية و هي أكبر خوانق (بيوت الصوفية) بالقاهرة و بيوتها الصوفية و أكثرها أوقافا في عصره [٣]، ثم نحاه عنها السلطان محمد بن قايتباي [٤] و كان آنذاك في الأربعين من عمره فاعتزل الناس و زهد في الدنيا و عكف على التأليف طيلة عشرين عاما في منزله بالروضة و رفض أن يستقبل أحدا من زائريه و مريديه حتى لقد أغلق نوافذ منزله بالروضة المطلة على النيل و كتب في ذلك رسالة سماها «تأخير الظلامة إلى يوم القيامة».
و لما تولى «طومان باي» الحكم خاف السيوطي أن يضطهده فاختفى حتى توفي هذا السلطان، و لحسن الحظ لم يمكث هذا السلطان في الحكم إلا شهورا قلائل عاد السيوطي بعدها إلى منزله في الروضة، و كان قد تولى حكم مصر السلطان قانصوه الغوري، و قد عرض هذا السلطان عليه العودة إلى المشيخة في المدرسة البيبرسية فاعتذر و آثر العزلة عن الناس.
حج السيوطي عام ٨٨٧ ه ١٤٨٢ م، و جاور في مكة المكرمة عاما كاملا [٥] و طاف في أنحاء العالم الإسلامي دارسا و مدرسا و موجها، فرحل إلى الشام و الحجاز و اليمن و الهند و المغرب و بلاد التكرور، و تصدر مجالس العلم و العلماء في الأزهر و في غير الأزهر من أمهات المدارس الإسلامية حتى غدا علم الأعلام و رائدا عظيما من رواد الثقافة الإسلامية.
و بعد عمر غير طويل و عن اثنين و ستين عاما هجريا أو ستين عاما ميلاديا توفي الإمام جلال الدين السيوطي في التاسع عشر من جمادي
[٣] ابن العماد: شذرات الذهب: ٨/ ٥٢
[٤] السيوطي: طبقات المفسرين: ٢٦
[٥] السخاوي: الضوء اللامع: ٤/ ٦٥