الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٧٤ - محمود أبو العيون
العام، لذلك وضع دستورا ثابتا واضحا يجعل الثروات رأسماليات متوسطة و صغيرة، فحث المسلمين على الانفاق في أكثر من سبعين آية، و فرض الزكاة في مال الأغنياء للترفيه عن الفقراء و المساكين، و لقد قاتل الخليفة أبو بكر منكريها و مانعيها، و جعل الاسلام إطعام الفقراء، و التصدق على المساكين كفارة لكثير من الهفوات كما في حنث اليمين، و في إفطار رمضان عمدا أو لعذر، و في الظهار، و في محظورات الحج. كما شرعه في مناسبات كثيرة مثل يومي عيد الفطر و الأضحى و غيرهما من المواسم الدينية. في كل هذه الأحوال و غيرها جعل الإسلام التخفيف من ويلات الفقراء و العطف على المساكين، من سمات تلك المواسم و الأحوال.
أضف إلى ذلك النظام الارثي في الإسلام، فإنه يحطم الثروة و يفتتها تفتيتا لا مثيل له في أي قانون آخر. فالقانون الانجليزي يحصر الثروة في البكر من الأولاد، و يحرم من عداه، و بعض القوانين الأخرى تجيز الوصية لأي كائن بجميع المال، سواء أكان وارثا أم غير وارث حتى للكلاب و القطط، و سائر الحيوان، أما الإسلام فيوزع أنصباء الارث توزيعا واسعا، فيعطي للقرابات أنصبة متفاوتة، و لا يسمح لصاحب الثروة ان يتصرف فيها بالوصية إلا بالثلث، و الثلث كثير، و هذا كله محافظة على التوازن الاقتصادي، و يقول اللّه تعالى في سورة الحشر: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ.
فأنت ترى أن الإسلام قد نحا بالاقتصاد منحى عادلا، رعاية منه للمصلحة الاجتماعية، و اجتنابا لطغيان الاغنياء إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى. و هكذا نجد الدين الإسلامي قد وقف موقفا رائعا في توزيع الثروة و تجزئتها إلى ملكيات متوسطة و صغيرة من غير إكراه، ليقي المجتمع شرور البطر من الأثرياء، و الحقد و البغضاء من الفقراء.
و المزاحمة هي وسيلة في الاقتصاد الغربي، و كانت عيبا من عيوبه، و هي أيضا وسيلة الاقتصاد الإسلامي لكنها ليست عيبا فيه. فهي مختلفة في النظامين، فما قيل من أنها تؤدي إلى دخول الرأسماليين في السوق بغير