الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٤٥ - حياة الأزهر الثقافية
مراكش إلى أقاصي الهند، وجد الأزهر و علماؤه في إحياء الثقافة الإسلامية التي رماها التتار بأقسى النكبات في فتحهم الوحشى لبلاد الخلافة العباسية، فكان للأزهر جهوده العظيمة الحافلة في هذا المضمار، مما وطد من مكانته، و دعم من كيانه، و أقر له منزلته العلمية العظيمة و شخصيته الجامعية الضخمة. و زاد من مكانة الأزهر قوة و استقرارا انقراض الحضارة الإسلامية من الأندلس عام ٨٩٧ ه و انتهاء جامعاتها العلمية الكبيرة و تبديد مسيحيى أسبانيا للتراث العربي فيها، فألقيت مقاليد الثقافة الإسلامية في الشرق كافة في يد الأزهر، فحمل الأمانة، و بذل في سبيل أداء رسالته كل ما يستطيع من جهد و قوة، و أخذ الأزهر يسير في دراساته الدينية، و في انتاجه الثقافي على المنهج العلمي المألوف في عصره، فكانت كتب الدراسة فيه و المؤلفات العلمية التي يؤلفها علماؤه، شروحا لأصول الكتب العلمية الدائمة في عصره، و حواشي على هذه الشروح و تقارير على هذه الحواشي؟
- و هذه الشروح و التقارير و الحواشي تتجه إلى خدمة أمرين عظيمين: أولا:
الشرح التحليلي التفصيلي لأساليب هذا الأصل العلمي المشروح، و المبالغة البعيدة في توجيه الفهم فيه وجهة خاصة، يتحرى فيها الدقة و العمق و الإحاطة بألوان الثقافة المنوعة، عند ما تستوجب هذه الإحاطة دراسة الأسلوب و الفاظه. و ثانيا: إثارة المشكلات العلمية العميقة التي تتصل بأصل الفكرة المبحوثة أو التي تضيء جوانب البحث فيها، أو التي تعتبر لازمة للتوسع في دراستها، و بجانب هذه الدراسة العلمية، و هذا الانتاج الثقافي الخاص، توجد موسوعات علمية ألفت في شتى نواحي الثقافة الإسلامية لتعويض ما فقده التراث الإسلامي من نفائس المؤلفات و كانت الطريقة العلمية ملائمة لعقول العلماء إذ ذاك و متمشية مع أساليب المنهج العلمي المألوف في عصرهم، فقد كان الشرق كله يقرها و يسير عليها في ميادين الثقافة و التعليم و التفكير، و ما زالت محل اعجاب الباحثين من المستشرقين و المفكرين، و من العبث أن نزوي بها أو نحط من شأنها، أو نرميها بالخطأ و الخمول.