الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٤٤ - حياة الأزهر الثقافية
الموازنة مفقودة، فالتاريخ الذي حفظ لنا تراث المدرسة النظامية في شخصيات كبار أساتذتها قد ضن علينا بتراث الأزهر و إنتاجه العلمي في هذه الحقبة، لأنه إنتاج شيعي تعصب عليه و ناوأه أعداء الشيعة.
و لقد شاء القدر العتيد أن تطوي الدولة الفاطمية و آثارها من الوجود بعد قرنين حافلين- حيث ثل السلطان صلاح الدين الأيوبي عرشها و محى آثارها و ثقافتها، و قبض بيده على أمور مصر و سياستها عام ٥٦٧ ه، و كان فيما حاربه و قضى عليه المذهب الشيعي الفاطمي، و أحل محله المذهب السني الذي تؤيده خلافة بني العباس و تنكر الزمن للأزهر فعطلت دروسه، و تفرقت شيوخه، و منعت منه الخطبة، و حل الكثير من أوقافه، و شارك الدولة الراحلة آلام التطور السياسي الجديد و بعد عهد الانقلاب السياسي و عودة الاطمئنان العقلي، عادت إلى حلقاته الدراسات الفقهية، لا سيما الفقه الشافعي و لكن بشكل متقطع غير مستقر، و استمر الأمر على ذلك قرنا من الزمن.
و لكن الأحداث السياسية العظيمة في الشرق الإسلامي أعادت إلى الأزهر ماضيه العلمي المجيد .. ففتح التتار المغول لبغداد و شتى عواصم البلاد الإسلامية و عصفهم بالتراث الإسلامي الثقافي بإحراق دور الكتب، و تبديد نفائس الأسفار فيها حرقا و تمزيقا و رميا بها في ماء دجلة و الفرات، و تفريق العلماء و رجال الثقافة الإسلامية و تعطيل الدراسات الثقافية: دينية و عقلية و لغوية في شتى مدارس الشرق الإسلامي و جامعاته، ثم انتقال الخلافة العباسية من بغداد إلى القاهرة في عهد المماليك و على يد السلطان الظاهر بيبرس سنة ٦٥٩ ه، ثم أهمية مصر السياسية و الاقتصادية و صبغتها العربية، و وقوعها في قلب العالم الإسلامي و ثقافتها العقلية القديمة- كل هذه الأسباب أدت إلى إعادة النشاط العلمي في الأزهر فشجع بيبرس التعليم فيه و أعاد إليه الخطبة عام ٦٥٩ ه، و وقف على أساتذته و طلابه الأوقاف الكثيرة و الأموال الطائلة.
و منذ ذلك الحين ذاع صيت الأزهر و استعاد مكانته العلمية و أمه الطلاب من كل صوب و حدب، من أواسط أفريقية إلى جنوب روسيا، و من