الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ١٣٥ - الأزهر في صحائف الذكرى
الاسلامي الزاهر، و يذكرون به قصص ألف ليلة و ليلة و قصور بغداد و القاهرة و قرطبة.
و يروى أن اللورد كرومر المعتمد البريطاني أراد أن يتعارف بشيخ الجامع الأزهر فقيل له إنه معتكف في حجرته بالجامع لا يخرج منها و لا يغادر باب الأزهر لزيارة احد مهما كان مركزه عظيما، و ذهب اللورد لزيارة الأسد في عرينه .. أو الناسك في صومعته، و كان اللورد حينذاك في إبان بطشه و قوته يهابه الكل و يسارعون لتلبية أمره و قد ظن انه سيجد من شيخ الاسلام تابعا و نصيرا.
و دخل الأزهر و سار بين أعمدته و على بلاطه فامتلأ رهبة و روعة و راعه الصمت السائد، و الطلبة الذين يتحركون في صمت و خشوع كأنهم الأشباح السارية، و استقبله وفد من المشايخ في عمائم كبيرة و أكمام واسعة طويلة بطيىء الحركة يسيرون في تؤدة و وقار و لا يحنون رءوسهم الا ساعة الركوع و السجود.
و سار بينهم يخترق الحجرات و الابهاء و هو يتجرد في كل خطوة من ثياب جبروته و كبريائه، حتى إذا وصل الى باب صغير أدى به اليه السير كان العميد البريطاني العظيم قد أصبح فردا يشعر بالضعف و الخشوع.
و فتح الباب و تنحى الموجودن و دخل اللورد و معه أحد ياوران السراي، فرأى نفسه في حجرة مجردة من الأثاث و الفراش عارية الأرض مكشوفة البلاط، ساكنة يكتنفها شيء من الظلام إلا من شعاع ينفذ من نافذة نصف مغلقة، و في واجهة تلك الحجرة دكة عالية عليها قطعة من بساط و قد تربع فوقها شيخ الاسلام و المسلمين في ثياب بسيطة و في يده سبحة يعد خرزاتها و يتمتم بالتسبيح عليها، و هو مطرق برأسه مستغرق في نجواه.
و أدار اللورد نظره حوله فلم يجد مقعدا، و تقدم خطوتين فلم يرفع الشيخ رأسه و لم يبادره بالتحية و لبث يتمتم نجواه و هو في سكون و جمود.